أمة واحدة

[امة واحدة][bsummary]

قضايا

[قضايا][bigposts]

شذرات

[شذرات][twocolumns]

تقييم كتاب: العقلية الليبرالية - الطريفي

10762435


  

العقلية الليبرالية: عبد العزيز الطريفي
يمكن تلخيص الكتاب كله في جملة واحدة: "العقلية الليبرالية، في رصف العقل ووصف النقل". 
لا غرو أن يكون العنوان هو نفسه ملخص الكتاب، فالشيخ الطريفي -فك الله أسره- يأتيك بالايجاز الدقيق الفاحص بحيث لا تملك أن تنقص من كلامه أو تزيد عن مقصده إلا إضافةً على قوله مستفيضا فيه، أو نقدا لجانبٍ اهمله وهذا نادر.
خطة الكتاب كلها مضمنة في العنوان، فقد يظن الناظر أول وهلة -كما كنتُ أحسب- أنه سيأتي بنقد لليبرالية انطلاقا من نماذج ممارسات واقعية لافرادها، أو بمعنى آخر: نقد مباشر لأصول الليبرالية.. لكن الكتاب يتناول ما هو أهم من ذلك كله، أي المنهجية، وبالتالي فقد سلك المؤلف سبيلا غير سبيل المُكثِرين في الكتابة حول الليبرالية، ومثله في ذلك ومثلُهم كجماعة يحفرون للبحث عن مورد ماء فاعترضت طريقهم صخرة كبيرة محاطة بصخور صغيرة من اطرافها، فكان سبيلهم أن اختاروا رفع المعاول لمحاولة كسرها، وكان خياره أن يزيح عن اطرافها صغار الصخور فتتحرك بسلاسة دون بذل الجهد المضني في محاولات الكسر ومخاطرها. هو هكذا في نقده لليبرالية، فلا تجده يتفرع اكثر مما يحتاج الموضوع من نقاش، لذا تأتي مقالاته محدودة بصفحات معينة غير طويلة ولا شاقة، يُجمِل فيها تارة ويتوسع أخرى حسب ما يقتضيه السياق وتتطلبه حساسية الموضوع.
أما تقسيمه للنقد إلى عقل ونقل فمن أوجه الذكاء في كتابه، إذ إنه في الأصل موجه إلى نقد "عقلية" قد تستند إلى النقل وقد لا تستند، وهي في ذلك أصناف مختلفة لو عممت عليها جميعا حُكما واحدا لغمطتَها، فكان الأصل أن ترجع الى حكَم ثابت هو الوحي، وإن نقَدَ الطريفي بالوحي فلا تسل بعدها عن الخبر!
ليس من عادتي إكبار قدر المؤلف أكثر مما يستحق مهما كان شأنه أو قول الناس فيه، لكن منزلة الشيخ الطريفي قبل وبعد قراءتي له لم تتغير، بل زادت أكثر بتعظيمه شأن الوحي وحسن استدلاله به وعدله في نقده مع كل صنف على حدة، كثيرا ما سايرتُه حتى فاجأني بقوله "ولكن منهم من يفعل كذا وكذا.. فلا يصح ان يكون كذا وكذا.." أي أنه يخرج من الحكم العام أحكاما خاصة لا تبخس حقوقُها رغم اندراجها تحت أصل واحد، بل هو داخل النقد يوجّه القارئ إلى البديل الصحيح واسلوب التعامل معه حتى يتنبه ألا يقع فيما وقعت فيه الطوائف المُنتقَدة.
شيئان اخران شكلا ميزة في الكتاب وهما: 
1- الامثلة المناسبة في الوقت المناسب للظاهرة المناسبة! وهو مما ابدع فيه وأجاد إجادة كبيرة، وأحسب ذلك لسبب وجيه خارج عما ألفته في اغلب المتأخرين، ربما يستغرب منه البعض.. لكنه في نظري "حسن التدبر"، فمن رُزِق مثلَه هذه الهبة يخرج منه هذا النتاج الذي يستشعر اثره القلب قبل العين، وأما المتكلّف فتجد أمثلته ضاربة في فروع الموضوع وعرة الطرق يتعب القارئ في محاولات الربط ليصل بينها وبين النتيجة كأنما يخوض اختبارا للقدرات لا نصًا يراد به التقريب.. ومما زاد هذه الموهبة اتساعا؛ موسوعيتُه في المجال الشرعي، ومن كان الوحيُ له هاديا ومنظارا فتح الله عليه من الفتوح ما ليس عند غيره أو قاربهم، فسبحان واهب البيان.
2- وضوح الأسلوب مع عمقه: ففي موضوع كهذا يصعب الجمع بين هتين الخصلتين دون الاخلال بواحدة منهما، لكنه كان موفقا ذلك أيما توفيق، وأتى بحِكَم ونصائح واسقاطات لا يملك المرء بعد قراءتها إلا أن يقول: سبحان الله كأنه يرسمها رسما او ينقشها نقشا! 
إلا أنني بعد كل هذا اقول: لو قدر الله أن الطريفي -حفظه الله- توسع اكثر في مباحث الليبرالية بتأصيلاته الشرعية التي انتهجها في هذا الكتاب، وأحال إلى مصادر معرفية موسعة تنوّع طرحه وتثري مدارك القارئ بعده= ربما أتى بكتاب رفيع القدر يظل مرجعا هاما لا يمكن لناقد الفكر الليبرالي المسلم تجاوزُه، أما والحالُ هذه فقد أجاد فيه وحلل العقلية البشرية كلها قبل أن يفعل ذلك بالليبرالية، وبيّن -بدعامة الوحي- كيف للعقل ان يتحرر فعلا من قيوده دون قطع اشلائه محاوِلا كسرَ ما يتوهّمه قيدًا، وهذا ما تشيعه الليبرالية دون بيان نتائجه، فمثل العقل في ضلالاتها الموهومة كحبيبات الرمل في ساعة رملية، تبدو لها من بعيد كتلة واحدة محبوسة داخل اناء زجاجي يخنقها، فتناديها أن ثوري وتحرري من اطارك الذي يحدّ حركتك.. ثم تخدعها بشعارات رنانة "أنت محبوسة لا حركة لك إلا للاعلى والاسفل.. اين حقوقك يمينا ويسارا.. اين حريتك في التصرف بالمساحة على مرأى بصرك؟..." فإن صدقتها وثارت وتمردت فنجحت في كسر قيدها الزجاجي ؛ لاقت الهلاك والشتات خارجه، وكان لها ما أرادت من الحرية.. لكنها حرية تذروها الرياح، فلتجمع شتاتها حينئذ إن استطاعت!
..
واختم هذه المراجعة بأملٍ في رؤية كتّاب من جيلنا هذا أو الذي يليه بنفس فِكر الشيخ الطريفي أو على الأقل بنفس ثباته وصراحته وعدم مداهنته فيما ثبت عنده أنه الحق.. نسأل الله المعافاة من الرياء، والثبات والإخلاص في الاقوال والأعمال.
----
نظام التقييم النجمي: -فرع الكتب الفكرية
⭐⭐ = المضمون (أهمية الفكرة، القوة) تنقصها نجمة الإثراء.
⭐= الشكل (التنسيق وترابط الأفكار)
⭐= التألق (الفكرة ببصمة جديدة غير مسبوقة).
https://www.goodreads.com/review/show/2310512239?book_show_action=false&from_review_page=1

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق