تقييم رواية: الوادي المعلق في السماء - مشاري الإبراهيم
![]()
"داوم على قراءة الرسالة، اياك أن تنسى الجبل"
.
.
لا يسألني الكاتب عن النجمات الثلاث لمَ وضعتها وما تفاصيلها وما وجه النقص أو الامتياز في روايته، فتقييمي للكتاب لا يعتمد نظام القوالب بل هو حكم عامّ أبتغي من ورائه إعطاء تصوّر مجمل عما قرأتُ -لنفسي قبل الاخرين- وقد يكون العمل ممتازًا فاقيمه باثنتين واترك ثلاثة لحاجة في نفس يعقوب.. فليصبِر المؤلّف رعاه الله -وكذا القارئ الفاضل- على هذا التبرير الذي افتتحت به مراجعتي للرواية (الطويلة شيئا ما) وليشاركني تركيزه ونقده كما اشاركه هنا أيضا..
• 1 من العام إلى الخاص:
رواية موفّقة جميلة بها لمسة إبداعية حديثة، أو لنقل شبه حديثة لدمجها بين الحاضر والماضي وكثير من المستقبل المتوقَّع وغير المتوقّع.. الرواية ملغّزة، مليئة بالإيحاءات (لي تعليق عليها في نقطة مستقلّة)، عامرة بالعبر من أولى صفحاتها عن طريق "كلّ" شخصية من شخصياتها.
اعجبني تسلسل الكاتب في السرد وبراعة الخيال عنده، كذلك وصفه للمدن وطرُقها وتفاصيلها واسماء ازقتها المضحكة أحيانا، استمتعت بمحاولة فك الشيفرات هنا وهناك، لأول مرة منذ زمنٍ يجعلني شخص ما احمل دفتر مذكراتي لادوّن فيه ملاحظاتي، ذلك الدفتر الذي شاركني حلّ قضايا هولمز و بوارو وكونان في بعض الأحيان..
من هو مالك؟ الماحي؟ جابر وادهم؟
مالجبل؟ وما الأشامسة بل من البشَر أنفسهم؟
عن أي ثمرة يبحثون؟ وإلى ماذا يرمز اسم الحكيم؟
لوهلة ظننت أن الكاتب يتعمّد ارهاق عقلي بالرمزية، لقد نجح في الحفاظ على تركيزي لمدة طويلة خلال فترة قراءتي، لكني في المقابل إن ركّزتُ يستيقظ الجانب النقدي الذي يقصي في كثير من الأحيان أي اعتبارات جمالية إذا انتُهكت معاييره أو بعضها عندي، وهنا نقاط صغيرة لعلها توضح ذلك بإيجاز:
•قليلا نحو الخاصّ (النقد الشكلي):
بغضّ النظر عن الأسلوب اللغوي المبسط جدا في الرواية، والذي يوسّع خانة الفئة المستهدفة ليبتدئ من فئة الناشئة ويبلغ الشباب في زهرته، إلا أن الرواية لم تخل من أخطاء لغويّة، يشفع للكاتب فيها قلّتها مقارنة بما هو صواب، ويرجع ذلك في نظري إلى البساطة ذاتها، إذ لو استخدم اساليب بلاغية أثرى وأكثر لربما زادت نسبتها.. وكي لا أظلم الرواية فإني عند تقييمها لغويا متجردةً من المقارنة مع قراءاتي السابقة؛ أجد أنها أفضل بكثير من الغثاء المنتشر على أيامنا، بل هي إضافة جيدة لمن كانت أولى قراءاته، او هي أول رواية سيقرؤها.
هذا من ناحية اللغة، ويرتبط بالناحية الشكلية أيضا ترتيب الأفكار والأحداث، في هذه النقطة بالذات كان المؤلف ناجحا الى حد بعيد.. كثيرا ما تفاجأتُ بما لم اتوقعه (ومن عوامل تفضيل العمل الروائي عندي: الدهشة والجِدَة) وكانت السطور أنيقة في إبقاء حبل الأفكار ممتدا، خاصة أنني خلال مدة قراءتي للرواية لم اكن في مكان ثابت يسمح لي بالتركيز في منظر واحد، فأنهيتها في ثلاثة ايام فصلَ بين كلّ منها زمن للأعمال اليومية المعهودة، لكني وبكل صدق، كنت داخل الرواية في كل دقيقة مرّت...
كيف ذلك؟
سافتح معقوفتين للاستطراد: "داوِم قراءة الرسالة كي لا تنسى الجبل" هل كدت أنساه؟ هل أراه بشكل واضح؟ هل امضي إليه فعلا أم أن الوادي يسحرني بمغرياته من غير أن أشعر؟
تبدّلت نظرتي إلى الاخرين..
"عبد العزيز الساعاتي لتعطيل الساعات الصالحة.. دار عجزة القيروان لإيواء الاطفال.. العطار عباس السامي لاجود النباتات الضارة.." هذه العناوين في مقابل: "مشروبات اكسير لشباب لا ينضب.. مفرقعات الصندوق الأسود، ولعها!.." وقعُ هذه التفاصيل لم يكن بسيطا،
إن القارئ الذي لا يتفاعل مع (الحكمة) بمقتضاها، ولا يستخرج من السطور خباياها المقصودة وغير المقصودة، فلا يحييها-أي الحكمة- باسقاطها على واقعه ولا يستفيد منها على المستوى الوجداني قبل كل شيء؛ ليس بقارئ حقيقي في رأيي.. لذلك أسعى لأن اكون ذلك القارئ، وعملية التواصل بين الكاتب والقارئ على هذا تعتمد في أساسها على تمرّس الكاتب أولا، ثم فطنة القارئ وخياله ثانيا.. في هذه الرواية كان الطرف الأول على مرتبة جيدة جدا من التمرس فساعدَ ذلك على بناء جسر تواصل ناجح.
-
نقفل المعقوفتين، عودًا إلى الشكل، اختتم هذه النقطة بملاحظة، وهي أنه يستحيل أن تقرأ عن الوادي المعلق -مع كل الكدّ الذهني الذي يستهلك حواسك- ثم لا تعيد التفكير في ترتيب أولوياتك تماما كما رتب الكاتبُ فصوله ورصفَ تاريخيًا أهم المؤثرات اللامادية التي ساهمت في تغيير حياة البشر.. والاشامسة.. من هم؟ هذا ما عليك أن تكتشفه "وستفعل بالتأكيد..
•الخاصّ الأهم: روح الرواية
«إن أردت تحقيق امنيتك فاذهب إلى الجبل، ولا تجعل الوادي مستقرًا.. وان خالفت يحتجب الجبل منك ثم تنساه وتضيع امنيتك.. ولا تغرنك السنون في الوادي فإنها أيام في دنياك ثم يأتي يوم يسقط الوادي ويضيع سعيك وتختفي مغانمك.. وتذكر: هي رحلة واحدة فقاتل للوصول الى الجبل...» أعتقد أنه لا مجال لادعاء الغموض في شيء مما كُتِب هنا، وهذا حال أكثر التلميحات في الرواية، لذلك رأيت تقسيم رأيي في هذه النقطة إلى شطرين: الإيحاء والرمزيّة، وتقسيم كل منهما إلى ايجابياته وسلبياته.
.
.
1- الإيحاء: وأقصد به التلميحات التي أوردها الكاتب لتدعيم فكرته أو ايضاحها، وسيجد قارئ الرواية كثيرا منها على شكل حكَمٍ أو مقولات أو حتى وصف لأماكن يستطيع العقلُ المسلم تمييز الروابط والعبر منها بسهولة، والكاتب في هذه الجزئية وظّف قصصا قرانية ومواقف أبرزت رؤيته الوجودية، إلا أنه -حسبما رأيت- لم يستخدم الحِجاج العقلي الذي يُقصد به الربط بين المقدمات ونتائجها للخروج بدلائل قاطعة إلا في مواضع قليلة تعدّ على الأصابع، وركز في المقابل على الجانب الفطري بأسلوب "ايقاظ صوت الفطرة" لدرجة أنه صرّح بهدفه مباشرة وبوضوح أيضا.
وهنا يأتي دور السلبيات، فقد كانت كثير من التلميحات مفضوحة جدا لدرجة أنه لو قرأ الروايةَ شخص مؤدلج (يحمل حزازات على فكرة الكاتب أو مجتمعه) فإنه سيرفض بالتأكيد هذا "الحجر الفكري" عليه.. حينما مررت على بعض الأفكار المهمة المصرّح بها كالوجود الالهي مثلا وربطه بقضية السببية بشكل مقتضب، أو مسألة الحريات الشخصية مثلا حين قالت مريم جوابا على سؤال الأميرة عن ماهية من يحدد مصلحة المجتمع: [يحددها الذي أتى بنا إلى هنا].. بهذه البساطة؟؟ ، كان بإمكان هذا الجواب الجاهز أن ينفع في عصر مصطفى محمود وما قبله حين كان الإلحاد في اوطاننا العربية حالة منحصرة في عدد معين بدأ نجمه يصعد قليلا، أما في يومنا هذا، فلئن اجبت جوابا كهذا في مجتمعاتنا "العلمانية روحًا" فإنك ستقابَل باعتراضات شتى لا ينفعك فيها إلا تأصيل نظري قبل استدعاء الجواب المباشر؛ النفوس اليوم تنفر من (راية أيوب داخل الساحة)، لذلك وبحكم تجربتي المتواضعة في هذا المجال، أرى انه كان بامكان الكاتب أن يكون قويا جدا في نقد العلمانية ههنا لو جعل القارئ يقولها بنفسه بعدما يبين له الشروط اللازمة لتحديد مصلحة المجتمع مع براهين تبين انحلاله وفساده بغير تحقيق تلك الشروط .. أن يقول من تلقاء نفسه "هو وحده من يحدد" ثم لا يتوقف الكاتب هنا بل يسترسل مع القارئ -لأن اغلب قراء هذه الرواية موحّدون لله كما أظن- فيبيّن لزوم التطبيق بعد العلم، أي انه لا يكفي معرفة من يحدد مصلحة المجتمع وضرورة وجوده، بل [يجب] أن تكون تشريعاته نافذة على الحياة كلها.. وربما حملت آخر صفحات الرواية هذه الفكرة فعلا، لكن بطريقة أخرى وهذا ما ساءني نوعا ما.. انتقل الكاتب من التلميح إلى التصريح المباشر فقام بأسلوب أمقته في الروايات إن لم يأت في وقته.. لقد كشف الكاتب كل أوراق "الجوكر" التي بحوزته، ابرز للقارئ الذهب والفضة مختلطة باوراق اللعب، أنهى الجولات وأغلق الحلقة المفتوحة.. ثم ماذا؟
بحكم خبرة متواضعة في قراءة الروايات وتأليفها ونصيحة أهل الشأن فيها، أقول بكل وضوح وصراحة إن الروائي الذكيّ هو الذي يلعب بثقافته وفكرته (الجوهرية خصوصا) كما يلعب لاعب الخفة باوراقه ويتحرى الحفاظ على النادرة منها، حيث يبقى ذهن القارئ مفتوحا على مصراعيه يتوقّع ويحاول التخيل و اكمال الاحداث بنفسه، لطالما فكرتُ في تشبيه يقرب الصورة للروائيين الشباب أكثر فاكتشفت واحدا قبل مدة جعلتُه لنفسي قاعدة:
حين تكتب رواية؛ تخيل الموضوع كالورقة البيضاء ثم ابدأ برسم "تخطيط القلب" عليها، تلاعب بخطوطه كي تلعب على أوتار قارئك، ثم إذا بلغت النهاية اطلق العنان للتخطيط يستمر بالمضي والتطاول وحده، دع القارئ يكمل روايتك بدلا عنك، هكذا يخلّد عملك أو يكاد. أولئك الذين يوقفون نبض القارئ عند الغلاف الخلفي للكتاب؛ هم اما (روائي عادي يحتاج خبرة) أو (تاجر بالحروف).
ولا ألزمُ بقاعدتي هذه أحدا بالطبع :) .
2- الرمزية: قبل أن أعلق بالايجابيات احب التذكير بأمر هام، وهو أنه ليس كل من أراد استخدام اسلوب الرمزية في روايته ينجح في ذلك، والروائيون في هذا مذاهب ودرجات تتفاوت، فلا يصح أن نقول عن شخصٍ أراد أن يربط "الغباء" ب"رأس الكركاع" = إنه موفّق في رمزيته، كلا.. بل علينا التأمل في بواطن المعنى و اوجه ترادفه في المعاجم العربية واستخدامه في لغة العرب والاصطلاح وغير ذلك. فلا يسعى الكاتب للترميز في كل شيء، ولا ينبهر القارئ بكثرة ما يقرؤه من استخدامات لهذا الأسلوب، فليست الكثرة معيارا ابدا.
في روايتنا هذه، ما أجمل أسلوب الرمزية عند المؤلف! الأسماء ذاتُها معانٍ مستقلة، الحوار معنى إضافي، الأفكار التي تتناقلها الشخصيات مفعمة بالحركة والجَمال، ينقل القارئ من قالب جامد يتمثل في مكان وزمان وحوار عادي إلى آخر يستقي من ورائه تجارب ويقرأ فيه الآيات بوجهٍ غير الذي يعرفه منها.. أو بالأحرى..
يذكّرنا ما نُسّينا..
في الصفحة 191 يقول المؤلف: [كانت الأميرة تؤمن تمام الإيمان بأن اسهل طريقة لإبعاد الناس عن فكرة ما لا يكون عن طريق اثبات أنها فكرة خاطئة، بل الاستهزاء بمن يروّج
لها، الناس يخافون من السخرية أكثر من أن يكونوا مخطئين.] = أليس هذا ما وُوجهت به الدعوة الاسلامية في بدايتها؟
في الصفحة 247 يقول المؤلف: [هذا الحريق بدأ بشرارة، وهذه الشرارة كانت ممارسة الناس للخطأ في العلن].. قال بعدها بقليل: [لكن بمجرد أن يفعل الانسان فعلا خاطئا في العلن، فهذا يجعله فعلا مقبولا، مستسهلا ثم مستساغا أيضا ] = أليس هذا مقصد الشربعة من سد الذرائع؟
والكثير بعد، الخلاصة أن الرمزية والتقريب كانا حاضرين بشكل قوي في الرواية، غير أنها متكلّفة في بعض المواضع -وهذه سلبيتها الوحيدة- بحيث حاول جعلها كلها مرمزة وكأنه أعجِب بتلك الطريقة فقرر استخدامها في سائر الفصول، ولوحِظ التكلف في المواضع التي ظهرت فيها الشخصيات الثانوية أو التي حاول فيها محاكاة بعض القصص التراثية.. لكنها كانت يسيرة جدا، ولا حرج على الكاتب في ذلك بل اعذره، فمجهوده المبذول واضح يشكر عليه.
.
.
•أسئلة وختام:
راودتني أسئلة كثيرة خلال وبعد قراءتي للرواية، واستمتعت بطرحها على نفسي ومحاولة الجواب عنها.. لن أضع هنا إلا ثلاثة أسئلة ربما يجيبني عنها المؤلف إن شاء ذلك فضلا لا أمرا، أولهما: ماذا تريد القول / مالرسالة التي تنوي إرسالها من خلال شخصية الماحي؟ حاولت مرارا وتكرارا ان افهم، وضعت اجوبة وتحليلات، لا أحب أن أحصل على جواب مباشر بقدر ما افكر في طرف خيط لا غير، وإن لم تكن بتلك الأهمية التي اتوقعها فلا اريد طرف الخيط ذاك :)
والثاني: ما دخل الدجال في آخر الموضوع؟ كان إدراجُه شاذا نوعا ما، ولا أراه يضيف إلى الناحية اليقينية الكثير بل ربما يزيدها تعقيدا من خلال الاسئلة الكثيرة في مسألة غيبية كهذه، كان الوضع سلسا ومتناسقا الى أن بدأ الحكيم الذي من المفترض أن يكون شخصية مهمة جدا -بكشف بعض الأمور المستقبلية بناء على الخبر النبوي الصادق، لكن لا توجد مقدمات.. لا براهين ترسخ مسألة النبوة ناهيك عما يصدر منها، و هذه ربما نقطة ضعف في الرواية، لكني شككت في شيء ما فطرحت هذا السؤال. ماذا تفيد أو تضيف قصة الدجال؟ ولن افصّل في جزئيات السؤال التي أريدها، كي تأخذ راحتك في الجواب واستفيد أنا والقارئ -ان شئت- بشكل أكبر.
سؤال في الخاتمة: لا يوجد تلميح على ممارسة سامي للكتابة أو التأليف في بداية الرواية، فجاءت الخاتمة على نحو مفاجئ وغريب؛ هل هذا متعمَّد؟ (فضول لا غير)
.
.
شكّلت الرواية منعطفا فكريا وجدانيًا لي، وجعلتني أعيد التفكير فيما اقوم به ومدى جدواه، ليس هذا فحسب، بل ذكّرتني بهرم الأولويات الذي كاد أن يتآكل بفعل الزمن والناس وال..أشامسة..
قال الحكيم عبارة ملهمة: "لماذا يبني الإنسان بيتا من طين على شاطئ البحر وهو يعلم أن الأمواج ستأتي لهدمه قريبا؟ لماذا يلهث عطشا خلف سراب وهو يعلم أنه لن يرتوي؟"
•كلمة اخيرة:
هذا السراب الذي نحن فيه حق لذيذ، وما نحن مقبلون عليه هو عين الحقيقة التي قد تبدو مرّة، وعيك بهذا من عدمه هو قرارك وحدك، لكنك تستعجل مصيرك وتتحمل مسؤوليتك.. إن كنت -أيها القارئ- مؤمنا فتدبّر شأنك في سلوك طريق الجبل، ولا يغرنك تجاوزُ سامي مشقّةَ الوادي، فلا ضمان في عراكٍ سرمدي ابتدأ بوعد الانتقام، كن كايّوب في ثباته، مريم في فطنتها، سامية في صفاء سريرتها، سارة في ايابها، ولا تتبلد في رحلتك للبحث عن الإجابات.. ربما كانت هذه الرسالة آخر تذكرة لك،
رحلة طيّبة لكل عابر في الوادي المعلق!
https://www.goodreads.com/review/show/2317499289?book_show_action=false&from_review_page=1
|
المقالة من قسم:
مراجعات وتقييمات

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق