"كيف أستفيد مما أقرأ ؟" - تجربة متواضعة في القراءة والتدوين (1)
لعل من أبدع ما قيل : "القراءة؛ الفريضة الغائبة" رغم أني لست بصدد بيان أهمية القراءة أو فضلها لكونها أول ما نزل القرآن آمرًا بها، ولا بوصف عجبي الذي لا ينتهي ممن لا يقرأ كيف يعيش حياته؟
وإنما لأخاطب فئة من القراء الذين مرّوا بمواقف شبيهة بما مررت به حين ابتدأت مشوار القراءة، ولكون الكتب عاملا مشتركا يولّد تشابها مهما اختلفت مجالات القراءة؛ فإني أجزم أن أغلب من ابتدأ القراءة باعتبارها هوايةً أو شغفا معرفيا غير مسبوق التخطيط قد مرّ بشيء مما سأذكُر أو قريبا منه.. لذلك ارتأيت أن هذا الموضوع مما يجب التطرق إليه ولو بمشاركة تجربتي المتواضعة فيه. أسأل الله أن يكون من ورائه نفع، والباب مفتوح لمن أراد مشاركة تجربته الخاصة أو إبداء رأيه.
في البدء دفعني الشغف للقراءة في المجال الأكثر قربا منّي وهو الفِكر، مقارنة المذاهب الفكرية والعقديّة، فكنت كلما قرأت فيه كتابا ازددت نهما للذي بعده، غير أني بعد فترة وجدتُ نفسي أحجِم عن الكتابة لأن الأفكار تأبى التجسد على هيئة حبر، فلما راجعتُ التفكير مليًا وسألت نفسي: ماذا استفدت مما قرأت حتى الآن؟ لم أجد جوابا يرضيني؛ إذ كان كل ما أملكه من مخزون لايتعدى أفكارا مفرّقة لا رابط بينها، إضافة إلى أن ما حددتُه من اقتباسات في الكتب لم أتذكر منها شيئا، أو هو النزر القليل لا يغني ولا يسمن!
مثل هذا النمط من التفكير قد يجعل همة الإنسان تفتر عن القراءة تدريجيا حتى تنعدم، سيما أن النظر في كمية الكتب المقروءة مقارنة بالاستفادة المحصّلة لا يتجاوز العُشر؛ فأين المشكل؟
1- طريقة التفكير الخاطئة: يعتقد الكثير أنه بعد قراءة كتاب أو مجموعة كتب، فإن المفترض أن يكون قد حفظ منه واستذكر غالب ما كتب فيه ليحقق الاستفادة المرجوة من القراءة، وهذا فيه جزء من الصحة وإن كان تعميمه خاطئا.
فليست الكتب كلها يُستفاد منها، ولا العلوم كلُّها يتوجب حفظها، ولا الناس كلهم سواسية في العقول حتى نُطالبهم بنسبة معينة من الاستفادة لا يتحقق المطلوب من القراءة إلا بها! بل الأحرى أن يتم التمييز بين المجالات المقروءة؛ فالروايات مثلا (لن نتحدث عن "الفارغة المبتذلة" منها) قد تحمل قيما نبيلة لكنها لا تُحفظ، ولكن يتشربها الوجدان لتصبح منه جزءًا، أو توافقه هي فيكون دور الوجدان ترسيخها، كقيم الشهامة وعدم الخضوع للذل، والأمانة والصدق والوطنيّة الحقيقية وغيرها.
وقد تضم معلومات تاريخية ليس القصد منها توثيقًا وإنما ضرورة لوصف أحداث الرواية بدقّة أكبر، فهذه ليس من اللازم وضعها قيد الاهتمام، وإنما متابعتها حتى تنهيَ القراءةَ فينتهي معها دورها.
ومن الروايات ما يجب فيه الحفظ أو التلخيص والتدوين، كالروايات التاريخية، أو الشبيهة بالسير الذاتية، وتتركز أداة التدوين على عامل مهم هو الهدف من القراءة؛ أي مالذي أريده من خلال قراءتي؟ فإن كان معرفةَ تجربةِ شخص مثلا انطلاقا من أحداث تاريخية هامة مرّ بها، أو كان لها علاقة بمواقف دينية أو قومية أو سياسية او ثقافية محورية في العالم فهذا مما يدوّن أو يحدّد، وشخصيًا أستعمل في مثل هذا: رسم الخرائط الذهنية، كما حدث معي في رواية تزممارت إذ كان لها دور في وصف الانقلاب الذي حصل بالمغرب في عهد الحسن الثاني رحمه الله، فكان لابد من تدوين بعض التواريخ المهمة وترتيبها كي يحفظها الذهن بأسلوب سهل وسلس.
وأما الكتب الفكرية فهذه صنوف كذلك، منها ما يحمل أفكارا مركزية يفصّل فيها مؤلفها ليخرج بالنتيجة التي أرادها؛ عند ذلك يكفيك أن تأخذ أفكارا رئيسية منها دون جزئياتها، وتدوّن تلك الأفكار لئلا تضيع إن احتجتها، ومن امثلتها في رأيي كتاب "الاسلام بين الشرق والغرب" وكتاب "العيش في الزمان الصعب" أما إن كنت من أصحاب الذاكرة القوية بحيث لا تحتاج للتدوين فلا يلزمك، غير أنه أثبَتُ للمعلومة وأقوى في الفهم والتحليل وإبداء الرأي وتكوين الشخصية، وسنتطرق لهذه الأربعة في الفقرات المقبلة.
ومنها ما يكون التدوين لازمًا ضروريًا، وإلا كنتَ كمن يغترف من البحر بِدَلوه ثم يصبّ ما اغترفه في الرمل على أمل نفادِ مياهه فلا ينفدُ لأنه بحر، ولا تستفيد لأنك تعيد إلى البحر ما اغترفتَه منه ابتداءًا. ومن أمثلته كتاب: "مشكلة الشر ووجود الله" لسامي عامري، وكتيّب "نقد الليبرالية" للطيب بوعزة مثلا، فهذان لو قرأتهما دون تدوين فلا حاجة لك بهما، وأقصى ما تحققه هو معرفة سطحية للنقد فيهما لا تخولك زعم الفهم ولا توصل إليك رسالة المؤلف بالشكل الصائب.
من الكتب الفكرية كذلك صنفٌ يتطلب منك تركيزا وفهما لا حفظا، ولا يلزمك فيها تدوين إلا لو خشيت أن تضيع منك أفكار أساسية جديدة قد تنساها مع مرور الزمن، وما يميز هذا الصنف هو بساطته مقارنة بغيره لارتباط مجالاته بالحياة العملية أكثر من غيرها، او تضمنها لقضايا تمسّ الواقع المجتمعي/الديني بشكل كبير، فلا يستهلك ذهنك كثيرا، ولكن طبيعته تقتضي منك حسن الفهم لتصل إلى التحليل الصواب فتوافقَ المؤلف أو تخالفه دون أن تضطر للاقتباس حرفيا منه. ومن أمثلته "هروبي إلى الحرية" لبيجوفيتش، "فن الحوار" لفيصل الحاشدي، "العلمنة من الداخل" للدكتور المراكشي، وغيرها الكثير.
أما الكتب التي تُصنّف ضمن "الفكر"، وتكون مزيجا منه ومن غيره، كبعض كتب مقارنة الأديان، أو نقد الإلحاد والمذاهب الفكرية، إذ تدمج بين علومٍ شتى، مثل علوم الإسلام بفروعها، والفلسفة ومدارسها، والعلوم الطبيعية التجريبية؛ فهذه لا تقاس بالمجال التي تؤلَّفُ فيه، بل بمدى إلمام القارئ بالعلوم المضمنة فيها، فلو كان مبتدئا فإن قراءته لكتاب "طغيان العلم" لبول فييرابند لا تجب أن تكون سريعة بل متأنية، إضافة الى الاستزادة مما استشكل فيه من مصطلحات من أصحاب الخبرة أو التجربة في ذلك الشأن، ثم يضيف إلى ذلك تدوين بعض الأفكار الرئيسية في هامش الصفحة أو الصفحات البيضاء داخل الكتاب، لكي يسترجعها كلما احتاج معلومات الكتاب دون أن يضطر للبحث عنها، إضافة إلى أن اسلوبك سيكون أيسر من اسلوب المؤلف وأقرب لفهمك.
-
في الجزء الثاني وما بعده؛ سأتحدث عن كتب الأدب، ثم أتوقف لأعرّج على طريقة التدوين التي أعتمدُها، وكتابة الخرائط الذهنية، والتحديد داخل الكتب الورقية.
بانتظار ارائكم وتجاربكم الشخصية لتلاقح الفوائد في الذهن :)
نسأل الله التيسير والسداد، والله الموفق.
المقالة من قسم:
ادب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق