أمة واحدة

[امة واحدة][bsummary]

قضايا

[قضايا][bigposts]

شذرات

[شذرات][twocolumns]

يا من عرفَت الهها حين خلعت الحجاب!


إن الهموم في حياتنا كثيرة، والضغوط لا تنتهي بسبب تراكم الأعمال التي تلاحقنا إلى آخر رمق.. وبين هذا وذاك يحدث أن يرسلَ الله لنا من يسرّي عنا بِهَمّ أكثر مما نحن فيه، ويحدث كذلك أن نضحك ملء أشداقنا منه ونردد المثل المشهور: (شر البلية ما يضحك)!
خرجت علينا قبل ايام امرأة تدّعي أنها عرفت الله! يالضخامة هذا اللفظ والادعاء الذي يتمنى جميع المسلمين الوصولَ إلى مرتبته.. فكيف عرفتِ الله؟
قالت: حين خلعتُ الحجاب! فتبادر إلى ذهني -بحكم مجالي- القولُ الشهير للملحدين دفاعا عن قلة معلوماتهم بعدما يُسقط في أياديهم: أصلا أنا كنت سلَفي.. وأبي خطيب جمعة، وألحدت!
وهنا تقول لنا تعللا بنفس الحجّة: أصلا أنا كنت مسلمة، وخلعت الحجاب، وعرفت الله!
نفس المغالطة مع فارق العقيدة.. وأنا هنا لن أناقش معرفتها بالله التي لا نعلم كيف كانت، بسبب مناقضة العنوان للمضمون كليًا، ولا نريد أن نعلم، بل يكفينا أن نقرّ لها بقولها عملًا بالحُكم على الظاهر، ولذا جاز لنا أن نقول: نعم عرفت إلهكِ حين خلعتِ الحجاب، و(الله) يشهد بذلك ورسولُه والمؤمنون:
(أرأيتَ من اتخذ إلههُ هواه أفأنتَ تكون عليه وكيلًا، أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هُم أضل سبيلا) ومن لم يكن الله له إلهًا كان عبدا لألف إله!
وأمّا شرعُ الله فمعلوم والحجابُ -بمعناه الشرعي- جزء منه لا يتجزأ، وهو كما الحياء فطرةٌ فطر الله عليها بنات حوّاء منذ بداية البشرية، فلمّا انتكست الفطَرُ ذهب الحياءُ والحجاب، فلا عجب بخروج مثل هذه الدعاوى على زماننا، لكن العجب أن يدّعي قائلُها زيادة معرفة بالله! كمن يقول أنه صار خبيرًا في العطور بعد تجربة فريدة في شم روث البهائم..
إنّها تعلم سوء دعواها، وتفهم تماما أنها محل انتقاد، لكنها تعتذر إلى نفسها بالتحرر من (آراءغير معصومة)، فما ابتدأت مقالتها حتى تبنت موقف المظلوم المدافه عن حقّه المسلوب في مواجهة (المقززين) (المتسولين) (المثيرين للغثيان)، وأقرّت لنفسها دعوة (الصديق الناصح) مع اعتذارٍ عن قسوة اللفظ ومشاعر رقراقة تصلح تماما لما سيأتي من حديث عاطفي تخلط فيه حبال أفكارها في محاولة لإقناعنا بشيء،ولكن المشكلة أن الشيء نفسَه يتساءل إذا كانت تقصده أو لا؟
وحتى لا نتوه وسط تلك الدوامات المتضاربة، دعونا نرتب بعض أفكار المقال ثم نبرز وجه الانتقاد فيها:
1- تقول بعد أن أظهرت (مَسكنَة المرأة) التائهة في الأعراف والتقاليد المفروضة عليها: (كل هذا يجعل المرأة كالسوبروومن تختفي فجأة عن الأنظار  إذ لا تحبذ الدخول في النقاش خاصة أن المسألة أصبحت من المسلمات، فمجرد المناقشة فيها مضيعة للوقت والجهد وقبيح بمن سلّم نفسه لرأي الناس أن يأتي ليجادل فيما ليس له أي خلفية علمية كانت أم دينية)
والظاهرُ أن هذه الأخت لديها مشكلة مع كل مرادف لكلمة مسلّمات، وهو حال كثير من الأغمار اليوم إذا يأخذون ظاهر الكلمة ويحاكمونها للمزاج الثوري السائد على كل المبادئ حتى لو ضربوا في جذور المعتقد بدعوى التملص من الموروث فقط لأنه (موروث)، وهو بالفعل ما نجدها تسطّر عليه بقولها (فرجع الفقهاء لنصوص من السنة الشريفة وكذلك آثار وأشدد على كلمة آثار رويت عن القرون المفضلة ي ليست من السنة في شيء) انظُر كيف أدّى بها الفهم المستحدث للكلمة إلى اختزال الحكم دون رجوع إلى الأصول، ولو أردنا التفصيل في المصادر التشريعية تتبعًا للقرآن والسنة لما أمكننا تجاوزها دون قنطرة (الآثار) التي تتهمها، بل لما وصلتنا السنة من أساسها! أما زعمها موافقة الوحيين نظرًا لعصمتهما ثم ترك اقوال السلف من صحابة وتابعين نظرًا لخروجهما عن تلك الدائرة، فهو ما أوقعها في التخبّط والمغالطة حين أرادت فهم آية الحجاب، وهو ما يحيلنا إلى النقطة التالية:
2- زعمَت أن (القرآن جاء بلفظٍ محتمل عندما أمر المؤمنات بضرب الجلباب على الجيوب، ولذا تساءل العلماء: هل يدخل الحجاب في ذلك أم لا؟) ويمكننا الزعمُ أن فهم هذه الاية هي دليلها الوحيد في المقال كلّه -الا لو اعتبرت أن اقتباسها من علاء الجابر يعدّ دليلا- ثم القولُ أنها باستدلالها هذا عرّت من نفسها أكثر من قماش الرأس الذي نزعته عنها، فكشفت عن جهل بعلم اصول اللغة والفقه والاستنباط، بل بفهوم العلماء الذين لا نعلمُ لمُعتبرٍ منهم قولا كهذا في آية الحجاب! بل إن هذه المسألة من المسائل الجليّة التي لم يختلف فيها عالِم أو فقيه على مر العصور وما جاء القرآن والسنّة إلا مؤكدين عليها وعلى جلائها! وما كان الاختلاف في عصورنا المتأخرة إلا لعدم تحكيمهم متشابه القول الى محكمه، وجعل اقوال الفقهاء في غير سياقها، فاختلطت الفهوم في مسألة واحدة هي حدود هذا الحجاب أيشمل الوجه والكفين ام لا ! لكنها لم تصل إلى مرتبة «العالِميّة» عند أختنا التي أنكرت الحجاب بالمرّة وجعلته لفظا محتملا يعتمد تفسيره إلى الرأي والرأي الآخر.. رحم الله ابن حجَر حين قال: من تكلّم في غير فنّه جاء بهذه العجائب!
ومن هنا ننتقل إلى العجيبة الثالثة:
3- قولها (الزعم بأن الحجاب هو هوية المرأة المسلمة ليس دليلًا، ولا هو مما تُبنى عليه الأحكام، وهو ضربٌ من التفلسف الحالم، ويستطيع أي متفلسف مضاد أن يجادله بقوله.) لم يبنِ على هذا القول أحدٌ دليلا بالفعل، ولم يقم عليه حكم يستدل به، بل هو نتيجة الاستدلال نفسها إذ ثبت الحُكم فجُعل مظهرا من مظاهر الهوية لا الهوية ذاتها، وهذا من فلسفة الحجاب التي لم يصل إليها (علمك)، فوضعتِ قاعدة وهمية بدأت بانتقادها كأنما هي الأصل المتّهم، وليس إلا السرابُ ترمينه بأحجارك، فإن كنت لاتدرين خلطكِ فتلك مصيبة،وإن دريتِ فالمصيبة أعظمُ!
 ونحن إذ نحتج بالحجاب في تكريم المرأة نعتقد اعتقادا جازمًا أن قطعة قماش لن تكمل الإيمان، وأن المتحجبة إن لم يستقر معنى الستر والتقوى والحياء في قلبها ثم انعكست على فعالها فما حققت معناه ولا مطلوبه! والنظرة الإسلامية الشمولية إنما هي نظرة مقاصدية تراعي الغرائز والفِطر وتقوم على دين التطبيق قبل دين المظهر مع الجمع بينهما دون تفريط في أحدهما، ومقتضى ذلك أن تلتزم المرأة -كما الرجل- ماافترضه الله عليها فيما يصلح مظهرها وقلبها من الهوى المائل فطرةً إلى الجنس الآخر مهما أنكرتِه بإقحام موضوع الأخلاق في آخر مقالتك بطريقة استفزازية تعتمد أسلوب التخجيل هروبًا من الدليل، وإنما يخجلُ من فقد لبّه فصدّق أن له علاقة بالمقال!
ولا أملك في الأخير إلا أن أعترف -كما سبق وقلت في تعليق على المقال- أنه لا يبلغ مثقال ذرة في ميزان النقد العلمي الموضوعي، ولعل وضعه في المذكرات الشخصية، أو في خاطرة شاعرية يكون أنسب له من تسميته مقالا تحرج به الكاتبة نفسها بقراءات النقّاد التحليلية التي لن تصمد أمامها، ناهيك عن أهل العلم والفقه الذين أجادوا تصنيفها فلترجع إليهم وتمعن.
هذا وقد تعمدتُ ألا يكون الردّ علميا تفصيليا، فما خلا من الدليل لايُرد بدليل، وقد علمتُ عزمها على كتابة مقال تلحقه بالأول بعدما بلغ صداه ما بلغ لتغريدها خارج السرب كما هو حال أقرانها، وأبشرُها أن لو كان مثل الأولِ جئتها بتقريعه وتفصيله، وإن كان غير ذلك فلا أبالي ظهر الحق على لسانها أو لساني، وإن عادت عدنا!

هناك 3 تعليقات:

  1. رااااااااائع استمري بارك الله فيك

    ردحذف
  2. ممتاز كتابة ادبية خالصة ورد حاسم حول موضوع لكاتبة سافلة لا تعرف معنى الحجاب

    ردحذف
  3. ما شاء الله اختي واصلي وفقك الله رد أكثر من رائع و مستوى يشرف تبارك الرحمان

    ردحذف