شَنشنة أعرفها من بني عَلمون (كامل)
بدأ الموضوع بصورة لاختبار اجتياز مادة العلوم الاسلامية للسنة الأخيرة من التعليم الثانوي (الباكالوريا)، حيث ضمّنت فيه قطعة أطروحة تنتقد الفكر الإلحادي، جاء فيها ثلاث مقولات لبعض المتخصصين في نقد الإلحاد في الساحة من بينهم الدكتور هيثم طلعت، و[الدكتور عبد الله الشهري، والمهندس الدكتور العجيري، والدكتور محمد العوضي]* (لم يتم ذكر الأسماء، والندوة موجودة على اليوتيوب)
بعدما طُلِب من التلاميذ الإجابة عن بعض الأسئلة مثل:
1- عرف مفهوم الإلحاد وحقيقته
2- أبرز موقفك مما يأتي: بعض الشباب اليوم يعتبر متابعة المواد المروجة للالحاد في مواقع التواصل الاجتماعي كافيا لاتخاذ خيار الإلحاد.
3- عبر عن رأيك مع التعليل: قول المحاضر الثاني: "فالمتوجه للالحاد لديه قابلية نفسية للتعبد للهوى، تزين له خيار الخلاص من الدين" (الصورة مرفقة بالمنشور)
كان تعليق الاستاذ محسن : "الامتحان الجهوي الموحد لنيل شهادة الباكالوريا دورة يونيو 2018 شعبة العلوم الإنسانية في مادة التربية الإسلامية، يتبنى أطروحة ” تهافت الفكر الإلحادي “ و يطالب المتعلمين/ات بالدفاع عنها.. طز في الفكر النقدي.." (https://goo.gl/CzeYjg)
فكانت لي تعليقات على منشوره يمكنكم الاطلاع عليها مع تعليقات الأستاذ الفاضل لفهم الموضوع أكثر.. ثم بعد مدة وجيزة نشَر أحد متابعي الأستاذ منشورَه وعلّق عليه تعليقا لم أستطع-من شدة سطحيته- الرد عليه في تعليق (https://goo.gl/nzrNQn)، فرأيتُ أن أفرد له مقالا بأجزاء، وقد جاء مطولًا في ثلاثة أجزاء- ليطلع على الرأيين متخصصون في المجالات التي نتحدث فيها حتى لا يكون الموضوع ساحة آراء مجردة عن الدليل الراجح و المرجوح..
لم أتواصل مع من حددتهم بخصوص الموضوع ولا أعلم إن كان لهم وقت للقراءة والتقييم والتصويب، ولكن لعله يكون ان شاء الله، فاعذرونا أيها الافاضل بعد اذنكم لو تطلعون على ما كُتِب وتصوّبون إن اخطأنا أو تبيّنون وتضيفون إن لزم الأمر.. فالموضوع ليس حبيس موقف واحد، وإنما هو راجع لمنظومة معرفية كاملة لعلكم تعرفون أصولها بمجرد قراءة ما كُتب في الطرفين، وأنا من الآن أتراجع عن كل ما سيثبت بالدليل خطؤه عندي، وإن كان لدى الأستاذ محسن أو صاحبه اعتراض فليتفضلا به، في كل الحالات نحن نتعلم منكم جميعا، هدانا الله وإياكم للصواب.. (رد بعض من أشرنا إليهم بتعليقات مفيدة وأخرى بالغة الأهمية فجزاهم الله خيرا لحسن تفاعلهم )
رابط المنشور على الفيسبوك للاطلاع: https://goo.gl/2yY2x1
--
المقال النقدي كاملًا دون تجزئة:
--
المقال النقدي كاملًا دون تجزئة:
يعترض الأخ محمد اكديد او اقديد على مطالبة التلاميذ بتبني "موقف يقيني" يستثني التعامل بأدوات المحاجة العقلية -يقصد بها الفلسفية على وجه الخصوص- في موضوع الإلحاد، إذ يمكن تلخيص رأيه في أن هذا موضوع عقدي خطير يؤدي تلقينهم فيه إجابات جاهزة إلى نتائج عكسية لعلّة اصطدامهم فيما بعد بما سماه (المتناقضات التي يعج بها التراث الإسلامي) ، وقبل إيراد ماتبقى من أقواله تباعا فلنا أن نسأل: إن كانت مادة العلوم الإسلامية متمثلة بالوحي الإلهي الصريح -لا القراءة التأويلية لها - تتطلب أدوات عقلية فلسفية لمحاكمة قضية الوجود الإلهي، وتستدعي إعمالها كي يترجح عند الطالب تأييد وجود الله أو الإلحاد.. فلأي شيء يدرس تلامذتنا هذه المادة؟ ولمَ لا تستبدل بمادة الفلسفة أو تبتكرون لنا منهجا لنقد النصوص كما هو عند المسيحيين في أناجيلهم واليهود في عهدهم القديم؟ أوليس ذلك أجدى من تعليمهم منذ نعومة اظافرهم انه لا توجد حقيقة أكثر يقينا ولا مطلقيّة ولا ظهورا من وجود الله، أو الإسلام حتى! ثم تفاجئونهم في نهاية المطاف اننا كنا نخدعكم، لا توجد أي قضية يقينية يمكنكم التسليم بها فيما يخص دينكم.. اذهبوا وشكّوا في كل شيء كي تكتسبوا اليقين الكافي للإيمان الصحيح! ومبروك.. لقد تخرجتم من الكنيسة الإسلاموية الديكارتية.. ولكن حتى ديكارت لم يبنِ شكه على فراغ بل كان يعلم أن الوجود الإلهي هو أول الضرورات العقلية، فلا أنت أخذت منهج ديكارت ولا منهج الإسلام، فماذا بعد؟
سؤال آخر -بدل الجواب- : هل يكمن اعتراضك على طرح هذه القضية لخطورتها من الأساس أم هو لمجرد الخطأ في أسلوب السؤال؟ أو لا هذا ولا ذاك وإنما لأن من وضع هذا الاختبار جعل خيار نقد الإلحاد هو القرار الصواب وطلب من التلاميذ دعمه وتبريرَه؟ حسب ما فهمت مما قلت -انت والأستاذ الفاضل محسن- فأنت تقصد الخيار الثالث، وتعلل ذلك بأن على الاستاذ ترك الخيار للتلميذ كي يدعم الموقف المناسب دون (وصاية) أو (فرض).. فمالفرق إذن لو أعدتُ صياغة رأيك بالتالي:
" لا يجب على الاساتذة أن يطلبوا من التلاميذ تبني موقفٍ يضاد الفكر الإلحادي، بل عليهم أن يعرضوا لهم الخيارين ويطلبوا منهم النقد والترجيح بأنفسهم، وبادواتهم الخاصة بناء على المنهج الشكي البعيد عن الطابع (الديني التقليدي) (الجاهز)، والذي (يحجر على الفكر) ويمنع التلاميذ من تطوير قدراتهم الفكرية بطبيعته التي تقدم (يقينيات مطلقة) غير خاضعة للمساءلة. " لا أظن أن لك اعتراضا على هذه الصيغة، فهذا القول تصدق فيه العبارة الشهيرة أنه: مما يكفي تصوّره لإبطاله !
فأقل مطلع على الشريعة + الواقع التعليمي + المنهج العلمي يستنتج تلك النتيجة، فالشريعة أصلا مبنية على اليقين في أصولها كلها (وآكَدُ أصولها وجود الله!) ولا أوضح من قول الله تعالى: وقالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض؟!
هذه الآية وحدها تكفي ردًّا على ما قلت وستقول وسيُقال.. حين نتحدث عن الدفاع عن اطروحة مناقضة للإلحاد فلا مجال أصلا لأن تقول لي.. يجب عليهم أن يستعملوا كذا وكذا ليختاروا، وهذا الدين علم وليس محل خضراوات.. وبالتالي يصير الدفاع عن قضية يقينية كهذه واجبا شرعيا وجوديا حتميا إن وقع في إطار الاستطاعة، ومضادّته مما يكتسب فيه الأجر أصلا.
أما قول الأستاذ محسن أنه ليس قصده الدين وإنما قراءة معينة للدين فبغض النظر عن القراءة التي يقصدها (وهو مصطلح نصراني استشراقي كثير التداول استورده العرب) فإن الدين بكل قراءاته ينص على وجود الله كأول فرض واجب على المؤمن، وما رأيت من اسئلة الاختبار شيئا يوحي بقراءة معينة للدين، واعتراضُ اقديد على ذلك مجرد كلام شعاراتيّ لا يوافقه واقعنا التعليمي- كما بينت في ردودي من قبل- ولا تؤيده الشريعة، ولا هو مما يُقال في قضية اساسية من بدهيات العلوم الإسلامية.. فكيف تطالب بتطبيقه عليها ؟
ثم يأتي باستشهاد عجيب، وقد قال بعض العقلاء:
"رأيت لسان المرء وافدَ عقله ... وعنوانه فانظر بماذا تعنون
ولا تعد إصلاح اللسان فإنه ... يخبر عما عنده ويبين
ويعجبني زي الفتى وجماله ... فيسقط من عيني ساعة يلحن"
فقد كنت أقدّر بعض كلامه والتمس فيه شيئا من الصحة حتى استشهد ب(الوهابية السلفية) وقد حفظنا تلك الاسطوانة القديمة التي ما زالوا يرددونها دون هوادة: السعودية.. التدين المتزمت.. السلفية الحجرية.. العصر البرقوقي.. الزعلوك الارهابي-جميع الحقوق محفوظة للاخ امين خلال- واليكم نص استشهاده: "ولعل هذا الأمر [يقصد ما يسميه طابع التدين التقليدي] كان من أبرز أسباب سقوط الوهابية السلفية في قلعتها الحصينة بالمملكة العربية السعودية بعد أن دق الإرهاب التكفيري آخر إسفين في بينها وبين الأسرة الحاكمة." وقال قبلها إن أكبر نسب الإلحاد توجد في المجتمعات التي يطغى عليها ذلك.. أي أن تدينهم أتى بنتيجة عكسية لما يصبو إليه.
1- كلام إنشائيّ وهدية !
والله إني أتعجب من جرأتك الفجّة مع انعدام الدليل على كلامك أصلا، كل ما قلته لا يعدو كونه كلاما مسترسلا تحشو به ما ابتدأت به، فكانك تريد دعم كلامك بكلام يدعمه كلام للوصول الى نتيجة هي ايضا مجرد كلام..!
...
هاتِ إحصائية تثبت ماذهبت إليه! هات دليلا ملموسا على دقة النسبة وحدد لنا العينة المدروسة ومكانها لنعلم صدق قولك مع ضمان أنها تمثّل حقا وصدقا المجتمعات التي تتحدث عنها. ولأنها ليست موجودة ولن تجدها، فأنا أهديك من عندي هدية ربما تساعدك قليلا كي تتواضع حين تتكلم بكلام إنشائي عارٍ عن الدليل:
المشتغلون بمجال نقد الإلحاد في متابعة مستمرة لمثل هذه الانتقادات وفي معاينة دائمة لحالات الإلحاد المنتشرة، وقد وقف مجموعة من الباحثين على دراستين وحيدتين تنصان على أن نسبة الإلحاد في السعودية بلغت 5% ! وتعجب كل من وصلته هذه الإشاعة من دقّتها خاصة أن السعودية معروفة بأنها بلد الحرمين وقوانينها تحترم مبادئ الإسلام(لن نفصّل في ذلك لأن لنا تحفظات عليه) فبدؤوا يتحرون عن دقة هذه الاحصائية وتوصلوا بالدليل إلى انها دراسة مشكوك فيها، غير موضوعية، متحيزة، صاحبها مجهول العمل وسيرته غامضة حين نطابقها مع سنة نشر الدراسة.. ناهيك عن أنها أجريت على مايقرب من 500 فرد تقريبا، فهل يتم الأخذ بها أصلا مقابل التعداد السكاني الكبير في السعودية، بدون احتساب قوانينها وإمكانية الجهر فيها بالالحاد أساسا في خضم تلك الظروف المجتمعية والعادات السائدة! رابط نقد الدراسة في الهامش. (*١)
وإليك هديّتك الثانية: إحصاءات تناقض قولك تماما :) ! في الإحصائية التالية قائمة بأكثر البلدان من حيث نسبة عدد الملاحدة فيها، وستجد أن أكبر نسبة ترتبط ارتباطًا وثيقا بالمجتمعات المادية التي طغا فيها الإنسان وتجبّر وأطلق العنان لموجة الشهوات التي لا تنتهي، إضافة إلى الفلسفة النفعية الآخذة بالانتشار على حساب القيم الإنسانية الجوّانية -بتعبير بيجوفيتش- : http://www.atheistrepublic.com/tables/top-20-atheist-agnostic-countries
وهذا مقال آخر يؤكد شيئا مما ذهبنا إليه: https://goo.gl/oZCyub
إضافة إلى نقط مهمة يجدر الإشارة لها حيث يقول الكاتب:
The groups behind the web forums and meetings do more than give skeptics witty rejoinders for religious relatives who pressure them to go to church—they let budding agnostics know they aren’t alone.
But it’s not easy to unite people around not believing in something. “Organizing atheists is like herding cats,” says Stephanie Guttormson, the operations director of the Richard Dawkins Foundation, which is merging with the Center for Inquiry. “But lots of cats have found their way into the 'meowry.'”
هل ما زلت ترى أن الملاحدة أصحاب فكر "حر" ؟
ورغم أن المقال يُرجع أسباب انتشار الإلحاد إلى مظاهر مادية في المجتمعات (الغربية)، ركز هنا على الغربية، ثم يقول إن هناك علاقة بين الإلحاد والعرق أو الإلحاد وانتشار الرخاء الاقتصادي، فإن كل ذلك لا يهمنا مادام يصبّ في غرض واحد واضح وصريح: لا علاقة بين انتشار الالحاد في المجتمعات المحافظة/المتدينة من قريب أو بعيد، بل العكس تمامًا، إذ إن المجتمعات التي تلفظ الدين وتسمي نفسها بالعلمانية (أو كما يذكر المقال مثالا عن أمريكا التي يتّسم رئيسها ترامب بطابع معادٍ للدين أو لا مبالي) فإنها أكثر ما يُنسب له الإلحاد واللادين! فتأمل..!
2- الوهّابية، الشماعة الخالدة !
أعلم تماما أنه يقصد بالمصطلح : الاسلام المتشبث بالشريعة الذي يربي أبناءه عليها ويطبقها ويسعى في الأمر باوامرها والنهي عن نواهيها،
لكنه كالعادة لا بد أن يضيف بعض البهارات التي تعرفونها جميعا، والتي لو قرأها نصارى العرب لعرفوا مباشرة مصدرها مثل: (الموروث الديني) (فقهاء التقليد والجمود) (فقهاء المؤسسة الدينية التقليدية) (حراس المعبد)= اه والله هكذا!
وبهذا تكون خلطة الوهابية جاهزة لكيل التهم لكل من يشتمون فيه رائحة التدين الفطريّ، ويسمونه التقليدي لأنه غير مبني على نظر ونقد، ويحتقرون إيمانه مقابل من يعمل عقله للإيمان.. وبالمناسبة فإن هذه الصورة النمطية مرسخة في الوعي السعودي من خلال الافلام والمسلسلات والبرامج الخليجية مثل برنامج طاش ماطاش، وفي الوعي المصري من خلال افلام عادل امام ومن شابهه.. وفي الوعي العربي ككل يساهم في ذلك الإعلام، و(يبتلعه) بعض العرب دون مساءلة رغم نداءاتهم المستمرة بتطبيقها.. ولكن ويا للعجب! لا يطالبون بالمساءلة إلا في الدين... وكلّ افعالهم مجرد تبعية. [انظر كتاب صورة الإسلاميين على الشاشة من مركز نماء] ولكن كل هذا يمكن تسويغه بالتأويلات إلا أن يقول أحدهم أن الايمان التقليدي مقابل عقل الملحد لا يرجح! وهذا ما قاله (اقديد) مرة أخرى بأسلوب ضمني يمكن فهمه سريعا: "لأن الملحدين من أكثر الأشخاص استفزازا للعقل وإرباكا للمنطق الديني المهيمن."
وقبلها يقول: " ومن يظن أن الملحد إنسان كسول ولايبحث عن الحقيقة وبأنه غافل، و إنما يرضخ لشهواته فهو واهم أو لا يتابع."
ولأن العبارة متعلقة بالالحاد ولأن صاحبها بيّن أنه لا ناقة له ولا جمل في مجال الإلحاد، بل ولا معلومات صحيحة عنه أصلا فإنه يحلو لي التفصيل في هذه النقطة أكثر من اي شيء آخر فأقول:
مخطئ أولا في زعمك اتباع الملحد للعقل، والملحد الذي يفهم لوازم الحاده يخالفك الرأي أصلا، فمن قرأ في حجة العقل مثلا argument from reason
يعرف أن الإلحاد لا يقوم على الايمان بالعقل على الحقيقة وإنما إيمانه بـ(الدماغ) المادي، لاقترانه ضرورة بالمادية الداروينية، فيؤمن أن له دماغا مترقيا عن كائن أدنى لهدف البقاء بالية الانتخاب الطبيعي لا لطلب الحقيقة، وبالتالي فأي دارس للالحاد يعرف ان الالحاد لا علاقة له بالعقل ولا بتطلّب الحقيقة لأن غايته منفعية مادية محضة.. أما قولك انهم اكبر مستفزين للعقل فهو كلام مستهلك عامّي ينكره عليك المتخصصون، ولا يوافقك فيه من خبِر معنى الإلحاد! [بعض ما قلت له شواهد من الدكتور سامي عامري+ كتاب الإلحاد بين القصور المعرفي والفلسفي من ترجمة مركز دلائل]
أما قولك ان الملحد ليس إنسانا كسولا وانه يبحث عن الحقيقة وأنه غير غافل وأنه لايرضخ لشهواته وأن من يقول بذلك فإنه واهم أو لا يتابع، فمرة أخرى اتعجب من جرأتك الغريبة كأنك غير واهم ومتابع ! لندع الدلائل تتحدث :)
Hasty Generalization مغالطتك الأولى،
حيث أوردت نموذجا من الملحدين ثم عممت عليهم حكما واحدا لتضليل النتيجة، طبعا لن اجادلك في اختيارك لبرتراند راسل رغم كل ما قرأته له وعنه، لكن النتيجة التي اقتبسناها منك أعلاه تخالفها دلائل علمية، دلائل واقعية، دلائل شرعية، وتجمعها المغالطة التي اشرتُ إليها، وكلامك الشعبي لا ينطلي إلا على شخص اعتاد كلام الجرائد، فأما الدلائل العلمية فمن الناحية الأكاديمية لا يمكنك تعريف الملحد بأي حال من الأحوال على انه "باحث عن الحقيقة"، يقول الدكتور الشهري في هذا السياق:
( قال أحدهم: الملحد الحقيقي يبحث عن الحقيقة.
في الواقع هذا ملحد غير حقيقي. الملحد الحقيقي هو الذي انتهى إلى أن الإلحاد هو الحقيقة. )
ويشرح الدكتور سامي عامري (*٢) أكثر فيقول: الإلحاد ينقسم الى قسمين، الحاد إيجابي Strong atheism , والحاد سلبي Weak atheism ، الأول يعني الإيمان بعدم وجود إله، والثاني يعني عدم الإيمان بوجود إله.. وكلاهما قرار نهائي انتهى إليه الملحد بإنكار الوجود الإلهي.
فهل ما زلت تقول إنه باحث عن الحقيقة؟ الباحث هو الذي لم يتخذ قرارا أصلا، فهو مازال يبحث هل الإلحاد هو الخيار الصائب أم لا؟ وليس من اتخذ لنفسه الإلحاد مذهبًا فهذا قد عقد عقدته وانتهى إلى نتيجة.
ومن الناحية الواقعية فحضرتك لا خبرة لك في حوار الملاحدة ولا أنت خضت بحر جدالهم ودراسة منهجهم تأصيلا وتفريعا، ولذلك مبدئيا كلامك لاوزن له إلا بدليل، وهو ما لم تأتنا به، بل اكتفيت بنتيجة مغالطتك وانتقلت إلى ما بعدها كأنها مسلّمة معروفة، وهكذا صادرت على المطلوب بنجاح!
وبامكاننا اتباع نفس الأسلوب لقلب الطاولة والقول بأن الملاحدة من أكثر الأشخاص قتلا للعقل والمنطق والبديهة، رغم اننا سنكون قاربنا الصواب فعلا، ويكفي من ذلك إنكارهم للبديهة الكبرى والاوضح أي وجود الله، والمطلع على الحقل الفلسفي المعرفي يفهم تماما قصدنا بذلك، فإذا تم إنكار واجب الوجود الأول فإن البدهيات الأولية والمنظومة الاخلاقية بل والمعارف البشرية يستحيل تبريرها أو البرهنة عليها.. فلا تحاول بعد ذلك ترقيع الإلحاد بشيء لا تستطيع تحمل لوازمه و لا القيام بمقتضياته.. وصدقني إن كل من يقرأ ما كتبت وهو قد شم رائحة النقد المنهجي للإلحاد فإنه سيشفق على دفاعك حتما.
أما شرعيًا فالدلائل على ذلك أكثر من أن تحصى، ذلك أن ردود الله تعالى على من أنكر وجوده وأنكر البعث والحساب تبين جهلهم ومبلغ علمهم الذي هو الظن والتخرص بغير بينة صحيحة، ونحن هاهنا مازلنا نتحدث عن (الملحد) لا عن الباحث كما خلط في ذلك صاحبنا.. (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)
.
("وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ " " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ)
.
(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ)
.
وكثيرا ما أتت الردود العقلية عليهم والفكرية والحجج ومازالوا في عنادهم وطغيانهم: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ)
وقال في من يعرض عن اياته الكونية الواضحة ويعمى عنها:
(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ " وقال عز وجل عنهم :" أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا ")
إلى غير ذلك وهو كثير كثير..
-
3- الرشديّون، مزيد من أخبار الجرائد !
في الحقيقة لم يسبق لي أن قرأت لمن يحلو لهم تسمية أنفسهم متنورين إلا لمحت عندهم تقديسا عجيبا وإشادة كبيرة بابن سينا وابن رشد، وذمّا ضروريا لمن كان سببا في ازدرائهما أو نقد منهجهما.. ولكن الغريب عند (اقديد) هذه المرة أنه لم يحترز لمعلوماته السطحية عنهما بتعميم أو مغالطة المصادرة على المطلوب كما فعل من قبل، بل أتى بجزئية فضحت أكثر ضآلة رصيده التاريخيّ، وبحثَه إن كان بحثَ عما كتب دون ترداد لما سمعه وسمعناه أيضا.. يقول: "فحاول طرح أسئلة على الموروث الديني خاصة في جانبه العقدي بحياد وتجرد، وإعادة بناءه بصيغة توافق العقل والمنطق. ولا أحتاج هنا للتذكير بما جرى لابن سينا الذي كفره الفقهاء -على رأسهم الغزالي- وأغلبهم لم يفهم فلسفته العميقة، أوابن رشد الذي حاول الدفاع عنه ليتهم أيضا بالزندقة والإلحاد وتحرق كتبه التي لولا ترجمتها إلى اللغة اللاتينية لضاعت إلى الأبد"
وهذه الفقرة وحدها احترت من أين أبدأ فيها! (ماعرفنا منين نشدّوك) هل نبدأ بإخبارك أن ابن سينا وابن رشد لم يقوما بما زعمته أنت "طرح أسئلة على الموروث الديني في العقيدة بحياد وتجرد" فنعلمك أن ابن رشد كان فقيها مالكيًا يحكم بالشريعة بين الناس وهو متفق مع غيره على أنه يجب التسليم له في أبواب الأحكام والحلال والحرام وأنه بناء على ذلك صنف كتابه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" على طريقة الفقهاء، وأقر فيه بحدّ الردة الذي ينفيه اكثركم، وأقر فيه بحدّ الرجم ونقل الاتفاق عليه، وأقر الرق وغير ذلك من الاحكام، وأنه مِثل ابن سينا على مذهب من يرون أن النفس النبوية أعلى من النفس الفلسفية، وأن الخلاف بين ابن رشد والغزالي هو في قضايا فلسفية غيبية؟
أم نشرح لك أكثر عن العقيدة التي زعمتَه حياديًا فيها فنقول لك إنه يقرر أن الله لا يعلم بالجزئيات، وأن البعث يكون للروح لا للجسد، وأن الافلاك قديمة، ويقول بمهدوية ابن تومرت، ويحاول التوفيق بين أقوال الفلاسفة والشريعة.. فجاء الغزالي وهو من المتكلمين وقال إن اقوال الفلاسفة مخالفة للشرع وأتى بدلائله مع اتفاقهما معًا على وجوب تحكيم الشريعة، هذا مع أن لكليهما أخطاء، وكان السجال بينهما قائما رغم بُعد ما بينهما جغرافيا، وأنه كان هناك طرف ثالث وهم أهل الحديث، يقول الشيخ الخليفي: ( وهناك طريقة ثالثة وهي طريقة أهل الحديث وقد كان الفلاسفة يتسلطون على المتكلمين ببعض ما يسلم به هؤلاء لهم وأما طريقة أهل الحديث فسالمة من التناقض ومعارضة الخصوم المجدية وقد بسط ابن تيمية هذا في درء تعارض العقل والنقل […]
أم نشرح لك أكثر عن العقيدة التي زعمتَه حياديًا فيها فنقول لك إنه يقرر أن الله لا يعلم بالجزئيات، وأن البعث يكون للروح لا للجسد، وأن الافلاك قديمة، ويقول بمهدوية ابن تومرت، ويحاول التوفيق بين أقوال الفلاسفة والشريعة.. فجاء الغزالي وهو من المتكلمين وقال إن اقوال الفلاسفة مخالفة للشرع وأتى بدلائله مع اتفاقهما معًا على وجوب تحكيم الشريعة، هذا مع أن لكليهما أخطاء، وكان السجال بينهما قائما رغم بُعد ما بينهما جغرافيا، وأنه كان هناك طرف ثالث وهم أهل الحديث، يقول الشيخ الخليفي: ( وهناك طريقة ثالثة وهي طريقة أهل الحديث وقد كان الفلاسفة يتسلطون على المتكلمين ببعض ما يسلم به هؤلاء لهم وأما طريقة أهل الحديث فسالمة من التناقض ومعارضة الخصوم المجدية وقد بسط ابن تيمية هذا في درء تعارض العقل والنقل […]
قال ابن تيمية في منهاج السنة: وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ رُشْدٍ فِي مَسْأَلَةِ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَمَعَادِ الْأَبْدَانِ مُظْهِرًا لِلْوَقْفِ وَمُسَوِّغًا لِلْقَوْلَيْنِ، وَإِنْ كَانَ بَاطِنُهُ إِلَى قَوْلِ سَلَفِهِ أَمْيَلُ. وَقَدْ رَدَّ عَلَى أَبِي حَامِدٍ فِي " تَهَافُتِ التَّهَافُتِ " رَدًّا أَخْطَأَ فِي كَثِيرٍ مِنْهُ، وَالصَّوَابُ مَعَ أَبِي حَامِدٍ، وَبَعْضُهُ جَعَلَهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ سِينَا لَا مِنْ كَلَامِ سَلَفِهِ، وَجَعَلَ الْخَطَأَ فِيهِ مِنَ ابْنِ سِينَا، وَبَعْضُهُ اسْتَطَالَ فِيهِ عَلَى أَبِي حَامِدٍ وَنَسَبَهُ فِيهِ إِلَى قِلَّةِ الْإِنْصَافِ؛ لِكَوْنِهِ بَنَاهُ عَلَى أُصُولٍ كَلَامِيَّةٍ فَاسِدَةٍ، مِثْلِ كَوْنِ الرَّبِّ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا بِسَبَبٍ وَلَا لِحِكْمَةٍ، وَكَوْنِ الْقَادِرِ الْمُخْتَارِ يُرَجِّحُ أَحَدَ مَقْدُورَيْهِ عَلَى الْآخَرِ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَبَعْضُهُ حَارَ فِيهِ جَمِيعًا لِاشْتِبَاهِ الْمَقَامِ) اهـ.
أم نصحح له كلامه المغلوط الذي لا نعلم أصله من أنه لولا الترجمة اللاتينية لكتب ابن رشد لما بقي منها شيء! وأظن أن له تصورا كرتونيا عن إحراق الكتب كأنها إن أحرقت في بقعة من الارض فانها ستنقرض من بقاع العالم! وهذا من اعجب العجب.. فبالإضافة إلى أن السلطان الذي احرق كتب ابن رشد كانت مشكلته معه شخصية وأنه أكرمه وأجمل رأيه في آخر عمره واستدعاه الى مراكش وبها توفي [انظر تاريخ الإسلام للذهبي، والتكملة لكتاب الصلة لابن ابار الأندلسي، ومراجع اخرى في مدونة أبي جعفر الخليفي (*٣/٤/٥)] فإن من عاشر المستحيلات أن ينعدم تداول الكتاب لمجرد حرقه في مكان واحد، وكم أحرقت كتب ابن تيمية ونودي انه يهدر دم من تداولها وعمل بما فيها ومثل ذلك لفقهاء الاسلام مما لو قورن بما حصل لابن رشد لكان كألعاب الصبيان، ولم يمنع ذلك من انتشارها بل واشتهارها على اوسع نطاق.. وهاهي كتب ابن رشد شاهدة موجودة، بل ولا يوجد في تراجمه ذِكر لحرق كتبه،وكم حاولوا احراق كتب سيد قطب فهل انعدمت او بادت؟ بل هي في انتشار اكثر مما كانت عليه قبل محاولة احراقها.. وعموما فالذي لا يحسن تصور واقع الناس ويبني كلامه على آراء يتخيلها فالحلّ أن يبحث ويقرأ قبل أن يروي أو ينقل، وقد قالت الحكماء: "إن كنت مدعيا فالدليل، وإن كنت ناقلا فالصحة" وللتفصيل أكثر في مسألة ابن رشد يمكنك الاطلاع على المرجع الذي وضعته في هامش المقال.
ثم انك في كل جملة تكتبها كأنك تحكي عن كنيسة لا إسلام! وعن مسيحيين لا مسلمين! وعن نصوص انجيلية ورجال دين لا قرآن وشريعة وفقهاء!
ألا تستطيع التفريق بين ما ذمّه المسلمون من عقيدة فاسدة عند ابن سينا وابن رشد وبين ما اشادوا به وقدّروه واحتفوا به من سبقٍ في الطبيعيات والعلوم ومجهود عظيم في كتبه كالكلّيات في الطب ومختصر المستصفى في الأصول وكتبه في العربية ونحوها؟! أم أن النزعة الانتقائية تمنعكم حتى من الإنصاف في النقد؟ ويستطيع أي متخصص يقرأ كلامك أن يفهم منك إسقاطا خاطئا لما حصل مع العلماء أيام السطوة الكنسية من تعذيب للعلماء لمخالفتهم ما في الاناجيل من ترهات علمية قدّسوها، ثم تحاول أن تقوم بcopy past لتفسّر به ظنونك وتؤيد به تاويلك للاحداث التاريخية، ورغم بعد بين السماء والأرض بين الانجيل المحرف الذي دخلت فيه مكاتيب البشر والقرآن المحفوظ الذي هو وحي إلهي لم يتدخل فيه بشر إلا بتبليغه وهو المعصوم صلى الله عليه وسلم، فما زلت تبني على قاعدة مترهلة لم تشفع لك في محاولة الدفاع عن أولئك الفلاسفة، لأننا يا اقديد قوم نأخذ الحكمة الصحيحة ونقول الحق فيما يتعلق بالعقائد ونردّ الباطل منها بالحجة، فإن كان عندهم من حق اقررناه لهم، ولا نمنع تداول كتبهم بل نقرؤها إن لم تكن تعلم، ثم نستفيد ونأخذ ونردّ ببينة، وهذا منهج العلماء المسلمين الذين حاولت تشويه صورتهم بادعائك لهم الجمود وبمن خالف معلومات من الدين بالضرورة بالتفتح وتجاوز الآفاق الضيقة للتقليد الديني!! وأقرب مثال على ذلك انه لما انتشر كتاب تهافت الفلاسفة رد عليه ابن رشد بتهافت التهافت، فجاء ابن تيمية وردّ على كليهما في الرد على المنطقيين ودرء التعارض.. ثم بين وجه الصواب والخطأ عند كل منهما وأتى بحججه..
"أيضا الوصف بالزندقة أو مجمل الكفر (كفر الفعل أو القول نفسه بغير إقامة الحجة على صاحبه) لا يعد تكفيرا على الدوام إلا بقرينة. ولم يُستخدم مثل تلك الأوصاف (الكفر والزندقة والإلحاد) إلا مع الذين أنكروا معلوما من الدين بالضرورة رغم إيمانهم بالله – مثل مَن أنكر البعث أو بعث الأرواح دون الأجساد أو أنكر النبوات أو تحدث في ذات الله بما لم يأتنا بوحي وبما لا يدركه عقل ولم يطالبنا به الدين
وهكذا كان علماء الدين يقومون بتنقية أي ميل عن الدين – مثلا خلط الكيمياء بالسيمياء وعلوم السحر فهذه زندقة–وكذلك خلط المنطق وقواعد التفكير الصحيح بالفلسفات الباطلة وسفسفطها– وأيضا خلط الفلك بالتنجيم ونحوه– فأما أصحاب الشبهات فينقلون للشباب المسلم فقرات من كلام العلماء وهم يذمون الباطل : ويروجونها على أنهم كانوا يرفضون العلم بأكمله وهذا من التدليس والغش.
وأخيرا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بحكم مجمل واضح :
” والذي نختاره ألا نكفر أحدا من أهل القبلة ” [عن مقال: هل تم تكفير علماء الإسلام؟ (*٦)]
أين الجمود والتحجر وأين سياج المعبد؟ أم أن عدمَ العلمِ علمٌ بالعدم!!
4- خلَا لك الجوّ فبيضي واصفري !
لا أعرف هل يكتب الاخ (اقديد) لأشباح لا تقرأ، أم انه يفترض انه لن يقرأ كلامه أحد فيكتب كيفما اتفق؟ لنحاول أن نكون موضوعيين أكثر ونبتعد عن توجيه الكلام إليه شخصيا مادمنا في حوار الأفكار، فيا من يقرأ الآن: مَن مِن أهل العلم المعتبرين قال بسطحية الأرض؟ بل مَن منهم فهم هذه الآية على أنها دليل على ذلك: (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ۗ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا) ؟!
باطلاعي المتواضع وجدلي مع كثير من المسطحين الذين كانوا يظنون أن القرآن نص على سطحية الأرض فإن غاية ما كانوا يستدلون به هو آية: وإذا الارض سطحت، ونحوها.. أما هذه فمن عجيب ماسمعت، وقد يرد فيها تاويلات لا وزن لها ولا يعتدّ بها فهذا شأن صاحبها وناقلها ولا تلزم علماء المسلمين في شيء، أما عقيدتهم الصحيحة فتثبتها الدلائل وإليكم بعضها لتتم تصحيح بعض المفاهيم الملفّقة زورا وبهتانا :
1- أبو القاسم ابن خرداذبه , ت 272 هـ ، في كتابه المسالك والممالك قال: ” إن الأرض مدورة كدوران الكرة، موضوعة كالمحة [صفار البيض]، في جوف البيضة “.
2- أحمد ابن رستة , ت 300 هـ , في كتابه الأعلاق النفيسة حيث قال: ” إن الله عز وجل وضع الفلك مستديرا كاستدارة الكرة، أجوف دوارًا، والأرض مستديرة أيضا ومصمتة في جوف الفلك “
3- ونقل ابن حزم إجماع أئمة المسلمين على كروية الأرض في كتابه الفصل في الملل، فيقول : ” قالوا إن البراهين قد صحت بأن الأرض كروية والعامة تقول غير ذلك، وجوابنا وبالله تعالى التوفيق ؛ إن أحدًا من أئمة المسلمين المستحقين لاسم الإمامة بالعلم , لم ينكروا تكوير الأرض, ولا يُحفظ لأحد منهم في دفعة كلمة، بل البراهين من القرآن والسنة قد جاءت بتكويرها قال الله عز وجل : ” يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ” (الزمر : 5). وهذا أوضح بيان في تكوير بعضها على بعض مأخوذ من كور العمامة وهو: إدارتها، وهذا نص يدل على تكوير الأرض “
لربما يأتي أحد ويقول إن هذه مصادر (الوهابيين) فلن نصدقها، ليس هذا ببعيد في القرن الواحد والعشرين! إليك مصادر غربية يمكنك الرجوع إليها والتأكد بنفسك:
يقول ( وول ديورانت ) في كتابه قصة الحضارة, تعليقًا على خرائط الشريف الإدريسي: ” كانت هذه الخرائط أعظم ما أنتجه علم رسم الخرائط في العصور الوسطى، لم ترسم قبلها خرائط أتم منها أو أدق أو أوسع وأعظم تفصيلا، وكان الإدريسي يجزم كما تجزم الكثرة الغالبة من علماء المسلمين بكروية الأرض، ويرى أن هذه حقيقة مسلم بصحتها “.
– يقول ( جوستاف لوبون ) في كتاب حضارة العرب :” كتب العرب التي انتهت إلينا في علم الجغرافيا مهمة للغاية وكان بعضها أساسا لدراسة هذا العلم في أوربا قرونا كثيرة ” , ويضيف في موضع آخر : ” يكفي أن نقابل بين الأمكنة التي عينها الأفارقة والأمكنة التي عينها العرب، ليظهر لنا مقدار التقدم الذي تم على يد العرب “.
– يقول ( مارتن بلسنر ) في كتاب تراث الاسلام : ” كان للخرائط الإسلامية وما كتبه المسلمون في علوم البحار أثر بالغ في تقدم الملاحة الغربية ” , ويضيف في موضع آخر: ” ما زالت مؤلفات المسلمين في الجغرافيا تحتل مكانا مهما حتى يومنا هذا، لأن المعلومات التي تتضمنها تزيد في علمنا بالجغرافيا التاريخية المتعلقة بالبلدان التي تناولتها هذه المؤلفات , فتراث الإسلام في هذا الميدان له أهمية خاصة “
(المصدر: تطور علم الجغرافيا عند المسلمين وكروية الأرض، الرابط في الهامش (*٧/٨) )
يختتم الأخ أقديد رسالته بنداء عاطفي نهنئه على صياغته ونوافقه على فكرته الإجمالية إذ يقول: " فمتى يستفيق المسلمون من سباتهم العميق ويدركون بأن الآخر المختلف -ولسنا هنا في معرض تصنيف الناس إلى عدو للدين أوصديق له كما يحلو لحراس المعبد فعله- ليس بالضرورة أن يكون غبيا أو منحرفا مقتادا إلى سطوة نفسه، بقدر ما قد يكون سلك طريقا آخر قد يقوده يوما ما إلى الحقيقة التي ضل عنها الكثير ممن يدعي اليوم الإيمان والإسلام وهو أبعد مايكون من جوهر هذا الدين ومنطق رسالته؟ "
وفي الحقيقة لا يعنينا هنا إن كان لدى شخص أو آخر عقدة نقص أو حساسية من مُخالفيه في الرأي، وليس من شأننا كذلك محاكمة نوايا الناس بل نحكم على أفعالهم وأقوالهم وظواهر ما نراه منهم، فلذلك نقول ختامًا لهذا المعلّق الفاضل في جواب سؤاله متى يستفيق المسلمون؟
أن سائلًا ألحّ على أعرابيّ أن يعطيه حاجةً لوجه الله، فقال الأعرابيّ: والله ليس عندي ما أعطيه للغير.. فالذي عندي أنا أولى الناس به وأحقّ! فقال السائل: أين الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة؟ فقال الأعرابيّ: ذهبوا مع الذين لا يسألون الناس إلحافا!
فنحن نقول لك بنفس المنطق: متى يستفيق المسلمون؟
حين يكفّ الناس عن المجادلة فيما ليس لهم به علم حتى يعلموا، ويعودون للفخر بهويّتهم ومنظومتهم بدل الأسلوب الاستهلاكي الاستيراديّ الذي لا يغني شيئا في ميزان النقد العلمي.
وماذا علينا لو ترقّينا بعلومنا دون تفريط في أصولنا الصحيحة وسعينا في الرقيّ بمناهجنا وعقول ناشئتنا بما يضمن لهم الفوز في الدنيا والاخرة، فنكون قد ربحناهما معًا بدل محاولة الترقيع الفاشلة على حساب القيم والمبادئ الإسلامية العظيمة؟!
والله من وراء القصد.. وهو يهدي السبيل !
----------------
الهوامش:
٣- https://goo.gl/S154n4
٤- https://goo.gl/efYPgC
٥- https://goo.gl/MK4G87
٥- https://goo.gl/MK4G87
٦- https://goo.gl/wCqRgW
٧- https://goo.gl/rEw5tP وللاستزادة والتفصيل: https://goo.gl/fq4oUz
المقالة من قسم:
فكر واخر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق