شنشنَة أعرفُها من بني عَلمون ! -2-
الجزء 2:
Hasty Generalization مغالطتك الأولى،
حيث أوردت نموذجا من الملحدين ثم عممت عليهم حكما واحدا لتضليل النتيجة، طبعا لن اجادلك في اختيارك لبرتراند راسل رغم كل ما قرأته له وعنه، لكن النتيجة التي اقتبسناها منك أعلاه تخالفها دلائل علمية، دلائل واقعية، دلائل شرعية، وتجمعها المغالطة التي اشرتُ إليها، وكلامك الشعبي لا ينطلي إلا على شخص اعتاد كلام الجرائد، فأما الدلائل العلمية فمن الناحية الأكاديمية لا يمكنك تعريف الملحد بأي حال من الأحوال على انه "باحث عن الحقيقة"، يقول الدكتور الشهري في هذا السياق:
( قال أحدهم: الملحد الحقيقي يبحث عن الحقيقة.
في الواقع هذا ملحد غير حقيقي. الملحد الحقيقي هو الذي انتهى إلى أن الإلحاد هو الحقيقة. )
ويشرح الدكتور سامي عامري أكثر فيقول: الإلحاد ينقسم الى قسمين، الحاد إيجابي Strong atheism , والحاد سلبي Weak atheism ، الأول يعني الإيمان بعدم وجود إله، والثاني يعني عدم الإيمان بوجود إله.. وكلاهما قرار نهائي انتهى إليه الملحد بإنكار الوجود الإلهي.
فهل ما زلت تقول إنه باحث عن الحقيقة؟ الباحث هو الذي لم يتخذ قرارا أصلا، فهو مازال يبحث هل الإلحاد هو الخيار الصائب أم لا؟ وليس من اتخذ لنفسه الإلحاد مذهبًا فهذا قد عقد عقدته وانتهى إلى نتيجة.
ومن الناحية الواقعية فحضرتك لا خبرة لك في حوار الملاحدة ولا أنت خضت بحر جدالهم ودراسة منهجهم تأصيلا وتفريعا، ولذلك مبدئيا كلامك لاوزن له إلا بدليل، وهو ما لم تأتنا به، بل اكتفيت بنتيجة مغالطتك وانتقلت إلى ما بعدها كأنها مسلّمة معروفة، وهكذا صادرت على المطلوب بنجاح!
وبامكاننا اتباع نفس الأسلوب لقلب الطاولة والقول بأن الملاحدة من أكثر الأشخاص قتلا للعقل والمنطق والبديهة، رغم اننا سنكون قاربنا الصواب فعلا، ويكفي من ذلك إنكارهم للبديهة الكبرى والاوضح أي وجود الله، والمطلع على الحقل الفلسفي المعرفي يفهم تماما قصدنا بذلك، فإذا تم إنكار واجب الوجود الأول فإن البدهيات الأولية والمنظومة الاخلاقية بل والمعارف البشرية يستحيل تبريرها أو البرهنة عليها.. فلا تحاول بعد ذلك ترقيع الإلحاد بشيء لا تستطيع تحمل لوازمه و لا القيام بمقتضياته.. وصدقني إن كل من يقرأ ما كتبت وهو قد شم رائحة النقد المنهجي للإلحاد فإنه سيشفق على دفاعك حتما.
أما شرعيًا فالدلائل على ذلك أكثر من أن تحصى، ذلك أن ردود الله تعالى على من أنكر وجوده وأنكر البعث والحساب تبين جهلهم ومبلغ علمهم الذي هو الظن والتخرص بغير بينة صحيحة، ونحن هاهنا مازلنا نتحدث عن (الملحد) لا عن الباحث كما خلط في ذلك صاحبنا.. (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)
.
("وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ " " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ)
.
(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ)
.
وكثيرا ما أتت الردود العقلية عليهم والفكرية والحجج ومازالوا في عنادهم وطغيانهم: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ)
وقال في من يعرض عن اياته الكونية الواضحة ويعمى عنها:
(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ " وقال عز وجل عنهم :" أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا ")
إلى غير ذلك وهو كثير كثير..
-
3- الرشديّون، مزيد من أخبار الجرائد !
في الحقيقة لم يسبق لي أن قرأت لمن يحلو لهم تسمية أنفسهم متنورين إلا لمحت عندهم تقديسا عجيبا وإشادة كبيرة لابن سينا وابن رشد، وذمّا ضروريا لمن كان سببا في ازدرائهما أو نقد منهجهما.. ولكن الغريب عند (اقديد) هذه المرة أنه لم يحترز لمعلوماته السطحية عنهما بتعميم أو مغالطة المصادرة على المطلوب كما فعل من قبل، بل أتى بجزئية فضحت أكثر ضآلة رصيده التاريخي وبحثه إن كان بحثَ عما كتب دون ترداد لما سمعه وسمعناه أيضا.. يقول: "فحاول طرح أسئلة على الموروث الديني خاصة في جانبه العقدي بحياد وتجرد، وإعادة بناءه بصيغة توافق العقل والمنطق. ولا أحتاج هنا للتذكير بما جرى لابن سينا الذي كفره الفقهاء -على رأسهم الغزالي- وأغلبهم لم يفهم فلسفته العميقة، أوابن رشد الذي حاول الدفاع عنه ليتهم أيضا بالزندقة والإلحاد وتحرق كتبه التي لولا ترجمتها إلى اللغة اللاتينية لضاعت إلى الأبد"
وهذه الفقرة وحدها احترت من أين أبدأ فيها! (ماعرفنا منين نشدوك) هل نبدأ باخبارك أن ابن سينا وابن رشد لم يقوما بما زعمته أنت "طرح أسئلة على الموروث الديني في العقيدة بحياد وتجرد" فنعلمك أن ابن رشد كان فقيها مالكيا يحكم بالشريعة بين الناس وهو متفق مع غيره على أنه يجب التسليم له في أبواب الأحكام والحلال والحرام وأنه بناء على ذلك صنف كتابه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" على طريقة الفقهاء، وأقر فيه بحدّ الردة الذي ينفيه اكثركم، وأقر فيه بحدّ الرجم ونقل الاتفاق عليه، وأقر الرق وغير ذلك من الاحكام، وأنه مثل ابن سينا على مذهب من يرون أن النفس النبوية أعلى من النفس الفلسفية، وأن الخلاف بين ابن رشد والغزالي هو في قضايا فلسفية غيبية؟ أم نشرح لك أكثر عن العقيدة التي زعمتَه حياديًا فيها فنقول لك إنه يقرر أن الله لا يعلم بالجزئيات، وأن البعث يكون للروح لا للجسد، وأن الافلاك قديمة، ويقول بمهدوية ابن تومرت، ويحاول التوفيق بين أقوال الفلاسفة والشريعة.. فجاء الغزالي وهو من المتكلمين وقال إن اقوال الفلاسفة مخالفة للشرع وأتى بدلائله مع اتفاقهما معًا على وجوب تحكيم الشريعة، هذا مع أن لكليهما أخطاء، وكان السجال بينهما قائما رغم بُعد ما بينهما جغرافيا، وكان هناك طرف ثالث وهم اهل الحديث، يقول الشيخ الخليفي: ( وهناك طريقة ثالثة وهي طريقة أهل الحديث وقد كان الفلاسفة يتسلطون على المتكلمين ببعض ما يسلم به هؤلاء لهم وأما طريقة أهل الحديث فسالمة من التناقض ومعارضة الخصوم المجدية وقد بسط ابن تيمية هذا في درء تعارض العقل والنقل […]
قال ابن تيمية في منهاج السنة: وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ رُشْدٍ فِي مَسْأَلَةِ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَمَعَادِ الْأَبْدَانِ مُظْهِرًا لِلْوَقْفِ وَمُسَوِّغًا لِلْقَوْلَيْنِ، وَإِنْ كَانَ بَاطِنُهُ إِلَى قَوْلِ سَلَفِهِ أَمْيَلُ. وَقَدْ رَدَّ عَلَى أَبِي حَامِدٍ فِي " تَهَافُتِ التَّهَافُتِ " رَدًّا أَخْطَأَ فِي كَثِيرٍ مِنْهُ، وَالصَّوَابُ مَعَ أَبِي حَامِدٍ، وَبَعْضُهُ جَعَلَهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ سِينَا لَا مِنْ كَلَامِ سَلَفِهِ، وَجَعَلَ الْخَطَأَ فِيهِ مِنَ ابْنِ سِينَا، وَبَعْضُهُ اسْتَطَالَ فِيهِ عَلَى أَبِي حَامِدٍ وَنَسَبَهُ فِيهِ إِلَى قِلَّةِ الْإِنْصَافِ؛ لِكَوْنِهِ بَنَاهُ عَلَى أُصُولٍ كَلَامِيَّةٍ فَاسِدَةٍ، مِثْلِ كَوْنِ الرَّبِّ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا بِسَبَبٍ وَلَا لِحِكْمَةٍ، وَكَوْنِ الْقَادِرِ الْمُخْتَارِ يُرَجِّحُ أَحَدَ مَقْدُورَيْهِ عَلَى الْآخَرِ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَبَعْضُهُ حَارَ فِيهِ جَمِيعًا لِاشْتِبَاهِ الْمَقَامِ) اهـ.
أم نصحح له كلامه المغلوط الذي لا نعلم أصله من أنه لولا الترجمة اللاتينية لكتب ابن رشد لما بقي منها شيء! وأظن أن له تصورا كرتونيا عن إحراق الكتب كأنها إن أحرقت في بقعة من الارض فانها ستنقرض من بقاع العالم! وهذا من اعجب العجب.. فبالإضافة إلى أن السلطان الذي احرق كتب ابن رشد كانت مشكلته معه شخصية وأنه أكرمه وأجمل رأيه في آخر عمره واستدعاه الى مراكش وبها توفي [انظر تاريخ الإسلام للذهبي، والتكملة لكتاب الصلة لابن ابار الأندلسي، ومراجع اخرى في مدونة أبي جعفر الخليفي] فإن من عاشر المستحيلات أن ينعدم تداول الكتاب لمجرد حرقه في مكان واحد، وكم أحرقت كتب ابن تيمية ونودي انه يهدر دم من تداولها وعمل بما فيها ومثل ذلك لفقهاء الاسلام مما لو قورن بما حصل لابن رشد لكان كالعاب الصبيان، ولم يمنع ذلك من انتشارها بل واشتهارها على اوسع نطاق.. وهاهي كتب ابن رشد شاهدة موجودة، بل ولا يوجد في تراجمه ذِكر لحرق كتبه،وكم حاولوا احراق كتب سيد قطب فهل انعدمت او بادت؟ بل هي في انتشار اكثر مما كانت عليه قبل محاولة احراقها.. وعموما فالذي لا يحسن تصور واقع الناس ويبني كلامه على آراء يتخيلها فالحلّ أن يبحث ويقرأ قبل أن يروي أو ينقل، وقد قالت الحكماء: "إن كنت مدعيا فالدليل، وإن كنت ناقلا فالصحة" وللتفصيل أكثر في مسألة ابن رشد يمكنك الاطلاع على المرجع الذي وضعته في هامش المقال.
ثم انك في كل جملة تكتبها كأنك تحكي عن كنيسة لا إسلام! وعن مسيحيين لا مسلمين! وعن نصوص انجيلية ورجال دين لا قرآن وشريعة وفقهاء!
ألا تستطيع التفريق بين ما ذمّه المسلمون من عقيدة فاسدة عند ابن سينا وابن رشد وبين ما اشادوا به وقدّروه واحتفوا به من سبقٍ في الطبيعيات والعلوم ومجهود عظيم في كتبه كالكلّيات في الطب ومختصر المستصفى في الأصول وكتبه في العربية ونحوها؟! أم أن النزعة الانتقائية تمنعكم حتى من الإنصاف في النقد؟ ويستطيع أي متخصص يقرأ كلامك أن يفهم منك إسقاطا خاطئا لما حصل مع العلماء أيام السطوة الكنسية من تعذيب للعلماء لمخالفتهم ما في الاناجيل من ترهات علمية قدّسوها، ثم تحاول أن تقوم بcopy past لتفسّر به ظنونك وتؤيد به تاويلك للاحداث التاريخية، ورغم بعد بين السماء والأرض بين الانجيل المحرف الذي دخلت فيه مكاتيب البشر والقرآن المحفوظ الذي هو وحي إلهي لم يتدخل فيه بشر إلا بتبليغه وهو المعصوم صلى الله عليه وسلم، فما زلت تبني على قاعدة مترهلة لم تشفع لك في محاولة الدفاع عن أولئك الفلاسفة، لأننا يا اقديد قوم نأخذ الحكمة الصحيحة ونقول الحق فيما يتعلق بالعقائد ونردّ الباطل منها بالحجة، فإن كان عندهم من حق اقررناه لهم، ولا نمنع تداول كتبهم بل نقرؤها إن لم تكن تعلم، ثم نستفيد ونأخذ ونردّ ببينة، وهذا منهج العلماء المسلمين الذين حاولت تشويه صورتهم بادعائك لهم الجمود وبمن خالف معلومات من الدين بالضرورة بالتفتح وتجاوز الآفاق الضيقة للتقليد الديني!! وأقرب مثال على ذلك انه لما انتشر كتاب تهافت الفلاسفة رد عليه ابن رشد بتهافت التهافت، فجاء ابن تيمية وردّ على كليهما في الرد على المنطقيين ودرء التعارض.. ثم بين وجه الصواب والخطأ عند كل منهما وأتى بحججه..
"أيضا الوصف بالزندقة أو مجمل الكفر (كفر الفعل أو القول نفسه بغير إقامة الحجة على صاحبه) لا يعد تكفيرا على الدوام إلا بقرينة. ولم يُستخدم مثل تلك الأوصاف (الكفر والزندقة والإلحاد) إلا مع الذين أنكروا معلوما من الدين بالضرورة رغم إيمانهم بالله – مثل مَن أنكر البعث أو بعث الأرواح دون الأجساد أو أنكر النبوات أو تحدث في ذات الله بما لم يأتنا بوحي وبما لا يدركه عقل ولم يطالبنا به الدين
وهكذا كان علماء الدين يقومون بتنقية أي ميل عن الدين – مثلا خلط الكيمياء بالسيمياء وعلوم السحر فهذه زندقة–وكذلك خلط المنطق وقواعد التفكير الصحيح بالفلسفات الباطلة وسفسفطها– وأيضا خلط الفلك بالتنجيم ونحوه– فأما أصحاب الشبهات فينقلون للشباب المسلم فقرات من كلام العلماء وهم يذمون الباطل : ويروجونها على أنهم كانوا يرفضون العلم بأكمله وهذا من التدليس والغش.
وأخيرا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بحكم مجمل واضح :
” والذي نختاره ألا نكفر أحدا من أهل القبلة ” [عن مقال: هل تم تكفير علماء الإسلام؟]
أين الجمود والتحجر وأين سياج المعبد؟ أم أن عدمَ العلمِ علمٌ بالعدم!!
ـــــــــــــــ
* ١- https://goo.gl/S154n4
* ٢- https://goo.gl/efYPgC
٣-https://goo.gl/MK4G87

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق