لعبة العاَلم (الجزء الثاني)
تحركت الاحجار السوداء بتنكرها الأبيض، زاحفة نحو الجنود البِيض بصدور مشدودة وفحيح مسموع لمن ألقى سمعه، محمّلين بخطة محبوكة الجوانب لا يُرى أثرها في لحظة واحدة؛ بل ببطء.. وعلى مدى سنوات!
لا تتعجب إن ظننتَ -ونحن في عصر السرعة- أن أولئك الثلاثة كان لديهم مانع من الصبر سنوات لتحقيق مراد سيدهم، وإنما كانت النتائج التي ستظهر بعد امد بعيد مُستحقة للمجهود والوقت الذي يُبذل في سبيلها..
كانوا ثلاثة بيادق ستتغلغل في الرقعة البيضاء، فلا تتعجب أيضا إن علمت أن سلاحهم لن يكون سيفا ولا رمحًا ولا قنبلة، لقد كان سلاحا أكثر فتكا من كل ذلك.. السلاح الذي نهش كل الامم التي استُعمل ضدها "النساء والخمر".
دعنا نسرع بالاحداث قليلا.. إنك ترى الان رقعة الشطرنج كما هي، لكنك بالتأكيد لم تلمح اختفاء حجر الحصان الأبيض، بله استبداله بحجر حصان أسود.
كيف حدث ذلك! أ لم يلاحظ الملك وحاشيته هذا التغيير؟ سأجيبك عن ذلك.. لكن دعني اولا أنقلك إلى حوار بين الحصان الاسود والابيض في الكواليس قبل الاستبدال:
قال الأسود متنكرًا:
-صديقي القائد المغوار! سمعت الكثير عن جولاتك وصولاتك وما زادني ذلك الا ثقة وفخرا بانجازاتك المتكررة! لقد فتحت البلاد الفلانية والعلانية مع جيشك الصامد ودخلتموها أمنا وسلاما (يقول في نفسه: احتللتم البلدان وسللتم خناجركم في وجه خطواتنا) فما رأيت قط جيشا ببسالتكم ورحمتكم، وما اجتمع هذان النقيضان الا فيكم!
قال الحصان الابيض وقد علَت هامته حتى بلغت الثريا وهي لم تزل فوق الثرى:
- إننا نعزو الفضل في ذلك الى اميرنا وقائدنا، فبغير أوامره وتوجيهاته بعد الفضل الالهي ما كنا انجزنا ما انجزنا، وحُق لنا الفخر يا صديق!
- بالتأكيد يحق لكم يا جيش الفتح! وانت قائدهم، إن الهمم العالية مثلك لا يجب لها ان تضيع وسط هؤلاء!
ابتسم بخبث تحت القناع الابيض ثم قال مردفا مستفهما:
- ولكن يا صديقي العزيز.. اعذرني على وقاحتي، هل ترى ذِكرًا لاسمك بينهم وانت الحربة التي يدقون بها أعناق العدو؟ أم هل تسمع لِلَقبك رِكزا تحت اسم الحجر الملك؟
اعتَرَت الفارسَ لمحة من غضب حين قال ملتفتا حولَه مُمسكًا غمده:
صَه ولا تتجاوز حدك والا فصلت رقبتك عن جسدك !
ازدادت ابتسامة الحصان الاسود تحت قناعه وهو يبدي للاخر التودد واللطف: على مهلك لا تنسَ العشير بيننا يا صديق ولا تخُن الصحبة، أما ترى كيف انتفضتَ لمجرد اني ذكرتُ الملك، فهل انتفض احد من قبل لذكر فضلك كما فعلت انت؟
وهمّ الحصان القائد أن يضيف شيئا فقاطعه الاخر بسؤاله:
- وكم يا ترى ملكتَ من الغنائم والجواري وأنتَ أنت!
فرجع إلى نفسه متفكّرا: انه على حق..!!
ثم نُكس على رأسه: لقد علمت قَدرك ورتبتك فالزمها ولا تقفُ ما ليس لك به علم ولم يبلغك فيه أمر.. (كان يحدث نفسه)
ولم يُمهله الفارس الأسود حتى أتاه بخبر اخر له وقعٌ أشدّ، قال له: وإني يا صديقي، ما قدمت لك ذلك إلا لأخبرك بما هو أقسى وأشد على باسل مثلك، واني بحكم أخوّتنا وصحبتنا وشركة الملح بيننا سأنقل لك خبرا عظيما لن تدركه إن لم تكن مثلي متجولا مستقصيا، فقد سمعتُ من الثقات أن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فاخرج اني لك من الناصحين!
ثارت ثائرة الحجر الحصان وصار يدك الأرض بحوافره دكًّا حتى كاد أن يطير لبه من هول ما يسمع..
لقد كان الحجر الأسود المتنكر، أحد المُرسلين الشياطين قد بدأ نفث سمّه، ولم يكن ليقوم بذلك لو لم يكسب ثقة ضحيته، ولو لم يعِش معه سنين مديدة حتى يأتي أوان هذه اللحظة لما استمع إلى وساوسِه الحجَر الحصان.. لكن وقد ان أوانها، فقد بدأت الديدان تنخر البناء المتراصّ من جذوره!
#يتبع
#هبة_نجاعي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق